المدني الكلاوي وعباس التعارجي.. حكاية استحقاق علمي موثق

0
الانتفاضة/ عبد المنجي
في تاريخ المغرب الحديث، تتقاطع السلطة بالعلم، ويتجاور نفوذ الدولة مع مكانة العلماء، فتتشكل لحظات فارقة تؤرخ لتحولات المجتمع ومؤسساته. ومن بين هذه اللحظات البارزة ما شهدته مدينة مراكش سنة 1326هـ/1908م، حين ارتقى الفقيه المؤرخ القاضي عباس بن إبراهيم التعارجي إلى المرتبة الأولى بين علماء المدينة وفقهائها، في واقعة لم تكن مجرد ترقية إدارية أو تشريف رمزي، بل كانت حدثا يعكس طبيعة العلاقة بين السلطان والعلماء والوزارة في مغرب مطلع القرن العشرين.
لقد جاءت هذه الواقعة في سياق سياسي وديني دقيق، تزامن مع اعتلاء السلطان مولاي عبد الحفيظ العرش، وما رافق تلك المرحلة من اضطرابات سياسية وتحديات داخلية وخارجية. وكان العلماء آنذاك يشكلون إحدى أهم القوى الرمزية في المجتمع المغربي، إذ لم يكن القضاء أو الإفتاء أو التدريس مجرد وظائف، بل كانت مناصب ذات حمولة دينية وسياسية وأخلاقية، تمنح لمن يجمع بين سعة العلم، وقوة الفهم، والاستقامة، وحسن السمعة.
في هذا المناخ برز اسم الطالب الأديب عباس بن إبراهيم التعارجي المراكشي، الذي استطاع أن يلفت انتباه شيوخه وأعيان عصره بذكائه وتحصيله العلمي الرفيع. ولم يكن التعارجي مجرد طالب علم تقليدي، بل كان صاحب نبوغ واضح أهّله ليحتل مكانة متقدمة بين علماء مراكش في سن مبكرة، حتى أصبح اسمه مطروحا بقوة لنيل المرتبة الأولى، وهي مرتبة ذات دلالة كبرى، ترتبط عادة بأهل القضاء وكبار العلماء.
غير أن هذه المكانة لم تكن تمنح بالهوى أو المجاملة، بل كانت تمر عبر مسطرة دقيقة تقوم على التزكية العلمية وشهادة أهل الاختصاص. وهنا يظهر الدور المحوري للفقيه المدني المزواري الكلاوي، الصدر الأعظم وواحد من أبرز رجالات الدولة آنذاك، الذي لم يكتف بمكانته السياسية، بل كان فقيها يدرك قيمة العلم وأثره في ترسيخ هيبة الدولة ومشروعية السلطة.
لقد بعث المدني الكلاوي رسالة إلى العلامة الفقيه محمد بن إبراهيم السباعي، أحد كبار علماء مراكش، يستفتيه في مدى استحقاق عباس التعارجي للمرتبة الأولى من مراتب العلماء. وهذه الخطوة تكشف عن عمق التقاليد العلمية المغربية، حيث لم يكن القرار الإداري منفصلاً عن رأي العلماء، بل كان يستند إلى شهادتهم ويستمد شرعيته من تزكيتهم.
وجاء جواب الفقيه السباعي حاسما وقويا في دلالاته، إذ أكد أن المرتبة الأولى “إنما جعلت لأنجب العلماء وتفاوتهم في الفهم والتحصيل”، موضحا أن ارتباطها بالقضاء لا يعني أن كل قاض هو الأعلم، بل إن القضاء نفسه يمنح “تعظيما للخطة لا للعلو في العلم”. ومن خلال هذا التمييز الدقيق بين المنصب الإداري والمكانة العلمية، أبرز السباعي أن معيار التفوق الحقيقي هو الفهم والإدراك والتحصيل.
ثم مضى الفقيه السباعي في شهادته ليؤكد أن عباس بن إبراهيم التعارجي “أنجب وأحسن فهما وتحصيلا من جميع من أعلم بمراكش”، وأنه “في المرتبة الأولى وأكثرهم استحقاقا لها”. وهي شهادة ذات قيمة كبرى، ليس فقط لأنها صادرة عن عالم جليل، بل لأنها تعكس إجماعا ضمنيا داخل الأوساط العلمية على نبوغ التعارجي وتفوقه.
وتكشف هذه الرسالة عن جانب مهم من الثقافة العلمية المغربية في ذلك العصر، حيث كان العلماء يحرصون على استقلالية التقييم العلمي، وعدم الخلط بين النفوذ السياسي والكفاءة المعرفية. فالسباعي، وهو يخاطب الصدر الأعظم، لم يجامل السلطة، بل قدم رأيا علميا صريحا مبنيا على المعرفة الدقيقة برجال العلم ومستوياتهم.
وعندما اطلع الصدر الأعظم المدني الكلاوي على هذا الجواب، رفعه إلى السلطان مولاي عبد الحفيظ، الذي أمضى القرار وأصدر لعباس بن إبراهيم ثلاثة ظهائر سلطانية، من بينها ظهير التعيين. وهنا تتجلى صورة الدولة المغربية التقليدية في أجمل معانيها؛ سلطة سياسية تستند إلى الشرعية الدينية، وعلماء يشاركون في صناعة القرار، ووزارة تؤدي دور الوسيط بين المعرفة والسلطان.
إن هذه الواقعة لا يمكن فهمها باعتبارها حدثا فرديا معزولا، بل هي تعبير عن نظام متكامل كانت فيه المعرفة العلمية إحدى ركائز الارتقاء الاجتماعي والسياسي. فقد كان العلماء يشكلون نخبة المجتمع، وكانت مراتبهم تحدد وفق معايير دقيقة تشمل الحفظ والفهم والقدرة على الاستنباط والتدريس والإفتاء. ولذلك فإن وصول عباس التعارجي إلى المرتبة الأولى لم يكن مجرد تكريم شخصي، بل كان اعترافا رسميا بمكانة العلم في بناء الدولة.
كما أن الدور الذي لعبه المدني الكلاوي يبرز صورة مختلفة عن رجال السلطة في المغرب آنذاك. فالرجل، رغم نفوذه السياسي، لم يتجاوز أهل الاختصاص، بل لجأ إليهم واستنار برأيهم قبل رفع الأمر إلى السلطان. وهو ما يعكس تقاليد سياسية عريقة كانت تقوم على التشاور واحترام العلماء، باعتبارهم حراس الشرعية الدينية والأخلاقية.
أما عباس بن إبراهيم التعارجي نفسه، فقد أثبتت الأيام أن ذلك التقدير لم يكن مبالغا فيه، إذ أصبح لاحقا واحدا من أشهر علماء المغرب ومؤرخيها، واشتهر بمؤلفاته القيمة، وعلى رأسها كتابه المعروف “الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام”، الذي حفظ جانبا مهما من ذاكرة المغرب العلمية والثقافية.
لقد جمع التعارجي بين القضاء والتأريخ والأدب، فكان نموذجا للعالم الموسوعي الذي لا يكتفي بالفقه، بل ينفتح على التاريخ واللغة والتراجم. وربما كان هذا الاتساع المعرفي أحد الأسباب التي جعلت علماء عصره يرون فيه الأجدر بالمرتبة الأولى.
ومن اللافت في هذه القصة أن السلطة لم تكن تقصي العلماء، بل كانت تعتمد عليهم في ترسيخ قراراتها ومنحها الشرعية. كما أن العلماء بدورهم لم يكونوا مجرد أدوات في يد الدولة، بل احتفظوا بمكانتهم المعنوية واستقلال رأيهم العلمي. وهذا التوازن بين السلطة والعلم هو ما منح المؤسسة القضائية المغربية هيبتها ومصداقيتها لقرون طويلة.
إن استحضار هذه الواقعة اليوم ليس مجرد نبش في التاريخ، بل هو تذكير بقيمة العلم في بناء المجتمعات، وبأهمية أن تقوم المناصب الكبرى على الكفاءة والاستحقاق لا على الولاءات الضيقة. كما أنه يبرز الدور الذي يمكن أن يلعبه العلماء والمثقفون حين يكون صوتهم مسموعا ومحترما داخل مؤسسات الدولة.

وهكذا، فإن قصة المدني الكلاوي وصوت العلماء في اختيار القاضي عباس بن إبراهيم التعارجي تمثل صفحة مضيئة من تاريخ المغرب، حيث التقت حكمة الوزير بشرعية السلطان وشهادة العلماء، فكان العلم هو الفيصل، وكانت الكفاءة هي المعيار. وفي زمن تتغير فيه القيم والمعايير، تبقى هذه الواقعة شاهداً على مرحلة كان فيها للعلم هيبته، وللعلماء كلمتهم، وللدولة حرصها على أن تستند إلى أهل المعرفة في صناعة القرار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.