الانتفاضة/ ابراهيم أكرام
يشكل مشروع “فضاءات السعادة” بمدينة مراكش واحدا من أبرز المشاريع السكنية التي أثارت جدلا واسعا في السنوات الأخيرة، بعدما وجد مئات المستفيدين أنفسهم أمام واقع صعب ومعقد، يتمثل في الانتظار الطويل دون التوصل بشققهم رغم مرور أكثر من خمس سنوات على أداء الأقساط الأولى وتوقيع الالتزامات الأولية. وبين آمال الأسر التي كانت تحلم بالاستقرار والسكن اللائق، وتبريرات الجهات المتدخلة، يظل السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: من المسؤول عن هذا التأخير الذي أثقل كاهل المواطنين ماديا ونفسيا، وحول حلم امتلاك شقة إلى معاناة يومية مفتوحة على المجهول؟
لقد دخل العديد من المواطنين هذا المشروع بثقة كبيرة، خاصة وأنه تم الترويج له باعتباره مشروعا سكنيا متكاملا يستجيب لمتطلبات الطبقة المتوسطة والأسر الباحثة عن الاستقرار داخل مدينة تعرف ارتفاعا مهولا في أسعار العقار والإيجار. أغلب المستفيدين قاموا بتوفير مبالغ مالية مهمة عبر قروض بنكية أو مدخرات سنوات طويلة، وبعضهم اضطر إلى بيع ممتلكات أو الاقتراض من الأقارب من أجل ضمان فرصة السكن داخل مشروع قيل إنه سيغير حياتهم نحو الأفضل. غير أن السنوات مرت دون أن تتحقق الوعود، بينما بقيت الشقق بعيدة المنال، وبقيت الأسر عالقة بين التزامات البنوك ومصاريف الكراء وانتظار لا ينتهي.
إن الأزمة التي يعيشها المستفيدون اليوم ليست مجرد تأخر تقني عادي في أشغال البناء، بل تحولت إلى قضية اجتماعية وإنسانية تطرح إشكالات عميقة مرتبطة بالحكامة العقارية وحماية حقوق المواطنين ومراقبة المشاريع السكنية. فحين يلتزم المواطن بدفع مستحقاته في آجال محددة تحت طائلة الغرامات أو فقدان حقه في الاستفادة، فإنه ينتظر بالمقابل التزاما مماثلا من الجهات المشرفة على المشروع، سواء تعلق الأمر بالمنعش العقاري أو المؤسسات المتدخلة أو الجهات الإدارية التي يفترض أن تراقب احترام دفاتر التحملات والآجال القانونية.
عدد من المستفيدين يؤكدون أن التواصل مع الجهات المسؤولة ظل ضعيفا ومحدودا، وأن المعلومات المتعلقة بسير الأشغال أو أسباب التأخير كانت في كثير من الأحيان غامضة أو متناقضة. فكلما اقترب موعد التسليم المعلن، يتم الحديث عن عراقيل جديدة مرتبطة بالتمويل أو التراخيص أو الأشغال التقنية، دون تقديم توضيحات دقيقة للرأي العام أو للمستفيدين الذين أصبحوا يشعرون بأنهم ضحايا ضبابية مستمرة. هذا الغياب للتواصل الواضح ساهم في ارتفاع منسوب الغضب وفقدان الثقة، خاصة مع استمرار التزامات الأداء البنكي بالنسبة للعديد من الأسر.
وفي المقابل، يرى متابعون للشأن العقاري أن المسؤولية لا يمكن اختزالها في طرف واحد فقط، لأن مشاريع السكن الكبرى تخضع لتشابك معقد بين عدة متدخلين، من شركات الإنشاء والمقاولات إلى المؤسسات البنكية والإدارات المحلية والمصالح التقنية. غير أن هذا التعدد في المسؤوليات لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لضياع حقوق المواطنين أو لتبادل الاتهامات بين الأطراف المختلفة، بينما يبقى المستفيد الحلقة الأضعف الذي يتحمل وحده كلفة الانتظار والتأخير.
كما أن استمرار مثل هذه الأزمات يطرح تساؤلات حقيقية حول فعالية آليات المراقبة القبلية والبعدية للمشاريع العقارية، خصوصا تلك التي يتم تسويقها لفائدة الطبقات المتوسطة أو المحدودة الدخل. فالمواطن حين يقرر الاستثمار في مشروع سكني، فإنه يفترض وجود ضمانات قانونية وإدارية تحميه من التعثر أو التأخير غير المبرر. لكن الواقع يكشف أن عددا من المشاريع العقارية بالمغرب شهدت بدورها اختلالات مشابهة، ما يدل على وجود حاجة ملحة لإصلاحات أكثر صرامة في مجال تتبع المشاريع وضمان حقوق المشترين.
ولا يمكن إغفال الجانب النفسي والاجتماعي لهذه الأزمة، لأن المتضررين ليسوا مجرد أرقام أو ملفات إدارية، بل أسر وأطفال وشباب كانوا ينتظرون بداية حياة جديدة داخل شققهم. كثير من المستفيدين وجدوا أنفسهم مجبرين على مواصلة أداء واجبات الكراء بالتوازي مع أقساط القروض، وهو ما خلق ضغطا ماليا خانقا أثّر على استقرارهم الاجتماعي والنفسي. وهناك من اضطر إلى تأجيل الزواج أو تغيير خططه الأسرية بسبب غياب السكن الذي كان يفترض أن يكون جاهزا منذ سنوات.
كما أن طول مدة الانتظار ساهم في خلق حالة من الاحتقان وفقدان الثقة في الوعود المرتبطة بالمشاريع السكنية الكبرى، خاصة لدى فئات واسعة من الشباب التي ترى في امتلاك شقة حلما صعب المنال في ظل غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار. وعندما يتحول هذا الحلم إلى أزمة طويلة الأمد، فإن ذلك ينعكس سلبا على صورة القطاع العقاري وعلى ثقة المواطنين في المؤسسات المتدخلة.
وفي ظل هذا الوضع، ترتفع أصوات المستفيدين للمطالبة بفتح تحقيق واضح وشفاف لتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات إن وجدت، مع ضرورة تقديم جدول زمني دقيق وملزم لإنهاء الأشغال وتسليم الشقق في أقرب الآجال. فالمتضررون لم يعودوا يطالبون بالوعود أو التصريحات العامة، بل يريدون إجراءات عملية تضع حدا لحالة الغموض المستمرة منذ سنوات.
كما يطالب العديد من المتابعين بضرورة تعزيز القوانين المتعلقة بحماية المشترين في المشاريع العقارية، عبر فرض ضمانات مالية وتقنية أكثر صرامة على المنعشين العقاريين، وربط عمليات التسويق المسبق بمستويات واضحة من تقدم الأشغال، حتى لا يجد المواطن نفسه في مواجهة مشاريع متعثرة بعد دفع أموال طائلة.
إن قضية “فضاءات السعادة” ليست مجرد ملف عقاري معزول، بل تعكس إشكالية أوسع ترتبط بحق المواطنين في السكن الكريم وفي الحماية القانونية والشفافية. وهي أيضا اختبار حقيقي لمدى قدرة الجهات المعنية على التدخل لإنصاف المتضررين واستعادة الثقة في المشاريع السكنية الكبرى. فحين يغيب الوضوح وتطول مدة الانتظار دون حلول ملموسة، يتحول المشروع من فرصة للسعادة كما يوحي اسمه، إلى مصدر للقلق والمعاناة والإحباط.
ويبقى الأمل قائما في أن تتحرك مختلف الجهات المعنية بشكل جدي ومسؤول من أجل إيجاد حل منصف وسريع لهذه الأزمة، لأن استمرار الوضع الحالي لا يخدم أحدا، لا المستفيدين الذين يعيشون تحت ضغط الانتظار، ولا صورة القطاع العقاري الذي يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى الشفافية والمصداقية وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالسكن ليس مجرد بناية إسمنتية، بل هو حق أساسي يرتبط بالكرامة والاستقرار والأمان الاجتماعي، وأي إخلال بهذا الحق يترك آثارا عميقة على حياة الأفراد وثقة المجتمع بأكمله.