الانتفاضة/ جميلة ناصف
لم تكن أشغال تحيين برنامج عمل جماعة مراكش، التي انعقدت يوم الخميس 23 أبريل 2026، مجرد لقاء إداري أو جلسة تقنية مرتبطة بتحديث وثيقة تنظيمية، بل شكلت محطة سياسية وتنموية مهمة في مسار إعادة صياغة الرؤية المستقبلية لمدينة تعرف تحولات متسارعة على مختلف المستويات العمرانية والاجتماعية والاقتصادية. فالمدينة الحمراء، التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أكثر الحواضر المغربية استقطاباً للسكان والاستثمارات والسياح، تجد نفسها اليوم أمام تحديات متزايدة تفرض مراجعة مستمرة لأولويات التدبير المحلي وآليات التخطيط الترابي، بما يضمن التوازن بين متطلبات النمو الحضري والحفاظ على جودة العيش والخدمات الأساسية.
ويأتي هذا اللقاء التواصلي في سياق تفعيل مقتضيات القانون التنظيمي 113.14، الذي منح الجماعات الترابية صلاحيات أوسع في مجال التخطيط والتنمية المحلية، وربط نجاح المشاريع العمومية بمبدأ الحكامة الترابية والتدبير التشاركي. ومن هذا المنطلق، اكتسى اللقاء أهمية خاصة باعتباره فضاءً لتقييم ما تحقق من برنامج العمل السابق، وتشخيص الإكراهات التي واجهت تنزيل عدد من المشاريع، إلى جانب اقتراح أولويات جديدة تتلاءم مع التحولات التي تعرفها المدينة.
وقد عرفت الجلسة الافتتاحية حضور الكاتب العام لولاية جهة مراكش آسفي، ونائب رئيسة الجماعة، ورؤساء مقاطعات المنارة وسيدي يوسف بن علي والنخيل، إضافة إلى منتخبين وأطر جماعية ورؤساء المصالح الخارجية، في مشهد يعكس حجم التعبئة المؤسساتية المحيطة بعملية تحيين البرنامج. كما أظهرت المشاركة الواسعة إدراك مختلف المتدخلين لأهمية هذه المرحلة، خاصة وأن مراكش تواجه اليوم تحديات مركبة ترتبط بالتوسع العمراني، والضغط على البنيات التحتية، وارتفاع الطلب على الخدمات العمومية، إلى جانب ضرورة الحفاظ على التوازن البيئي والتراثي للمدينة.
وخلال أشغال اللقاء، تم التأكيد على أن تحيين برنامج العمل لا يقتصر فقط على إضافة مشاريع جديدة أو تعديل جداول زمنية، بل يتعلق أساسا بإعادة ترتيب الأولويات وفق مقاربة أكثر واقعية ومرونة، تستجيب للتحولات السريعة التي تعرفها المدينة. فمراكش، التي تستقبل سنويا ملايين الزوار وتعرف توسعا عمرانيا متواصلا، أصبحت مطالبة بإعادة التفكير في نموذجها التنموي المحلي، خاصة في ظل تنامي الضغط على شبكات الطرق والنقل والخدمات الصحية والاجتماعية والبيئية.
وتكشف المعطيات الواردة ضمن التقرير المرتبط ببرنامج العمل أن الجماعة أطلقت خلال السنوات الماضية سلسلة من المشاريع المهيكلة التي مست عدة قطاعات. ففي المجال الاجتماعي، ارتفع عدد المرافق الاجتماعية إلى 63 مرفقا، فيما بلغ عدد المرافق الثقافية 40 مرفقا، كما تم تعزيز البنيات الرياضية ليصل عدد المرافق الرياضية إلى 290 مرفقا موزعة بين ملاعب وتجهيزات رياضية مختلفة. وتعكس هذه الأرقام حجم الرهان الموضوع على البنيات الاجتماعية والثقافية باعتبارها أدوات لتحسين جودة الحياة وتعزيز الإدماج الاجتماعي للشباب والأطفال.
كما أظهرت الإحصائيات أن المدينة شهدت دعما ومواكبة لحوالي 2000 تظاهرة ثقافية ورياضية واجتماعية، منها 120 تظاهرة ذات إشعاع دولي و180 تظاهرة وطنية، في مؤشر على المكانة المتزايدة التي أصبحت تحتلها مراكش كقطب ثقافي وسياحي ورياضي على المستويين الوطني والدولي. ولم يقتصر الأمر على تنظيم الأنشطة، بل شمل أيضا رفع الاعتمادات المالية المخصصة لدعم الجمعيات الثقافية والرياضية، حيث تم رفع ميزانية دعم الجمعيات الرياضية والثقافية من ملايين الدراهم إلى مستويات أعلى، بهدف تقوية حضور الفاعلين المحليين داخل المشهد الثقافي والرياضي.
وفي الجانب الاقتصادي والعمراني، تم خلال اللقاء التطرق إلى المشاريع المرتبطة بإعادة تأهيل البنيات الحضرية والمناطق الاقتصادية، ومن أبرزها مشروع تأهيل الحي الصناعي سيدي غانم، الذي رصدت له استثمارات تناهز 153 مليون درهم. وقد شمل المشروع تهيئة الطرق، وتعزيز شبكات الإنارة والصرف الصحي، وتركيب كاميرات المراقبة، وإنشاء محطات للطاقة الكهربائية والشمسية، في إطار محاولة لتحويل الحي إلى فضاء اقتصادي أكثر جاذبية وتنظيماً.
كما ناقش المشاركون أهمية المشاريع المرتبطة بتنظيم الأسواق وتأهيلها، حيث تم تأهيل عدد من الأسواق الكبرى، من بينها سوق الربيع وسوق العزوزية وسوق الجملة وسوق الزهور بالنخيل، إضافة إلى إحداث أسواق جديدة ببعض الأحياء. ويأتي هذا التوجه في إطار سياسة تهدف إلى تحديث البنيات التجارية وتحسين ظروف اشتغال التجار ومحاربة الفوضى التجارية داخل المدينة.
وفي المجال الثقافي والسياحي، شكلت المشاريع الكبرى محورا مهما ضمن النقاشات، وعلى رأسها استكمال مشروع المسرح الملكي الذي يضم قاعة عروض بسعة 990 مقعدا ومدرجا مفتوحا بسعة 1200 مقعد، إضافة إلى فضاءات للمعارض والتظاهرات الثقافية. كما تم التطرق إلى مشروع مدينة الفنون الشعبية، الذي يرتقب أن يشكل قطباً ثقافياً وفنيا متكاملا يضم متحفا وأكاديمية للفنون وحاضنة للمشاريع الإبداعية.
ولم تغب القضايا البيئية عن النقاش، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية والضغط على الموارد الطبيعية. وقد تم خلال اللقاء استعراض مشاريع مرتبطة بإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، وتهيئة المساحات الخضراء، وحماية واحة النخيل، إضافة إلى إعداد مخطط المناخ الخاص بمدينة مراكش في إطار برنامج “مراكش مدينة مستدامة”. ويعكس هذا التوجه وعيا متزايدا بضرورة إدماج البعد البيئي في السياسات الحضرية، خاصة بالنسبة لمدينة تعتمد بشكل كبير على جاذبيتها السياحية والبيئية.
كما شكل التحول الرقمي أحد المحاور الأساسية التي تمت مناقشتها، حيث تم عرض حصيلة الخدمات الرقمية التي أطلقتها الجماعة، من بينها بوابات إلكترونية مخصصة للشكايات وطلبات المعلومات ورخص الملك العمومي وخدمات الجمعيات والتعاونيات. ويهدف هذا التوجه إلى تبسيط المساطر الإدارية وتحسين التواصل مع المواطنين وتعزيز الشفافية داخل الإدارة الجماعية.
وعلى المستوى المالي، أظهرت الأرقام المسجلة تحسنا ملحوظا في موارد الجماعة، حيث ارتفعت الميزانية من حوالي 984 مليون درهم سنة 2021 إلى أكثر من 1.5 مليار درهم سنة 2025، بزيادة فاقت 526 مليون درهم، كما ارتفع الفائض المالي للجماعة من 83.81 مليون درهم إلى حوالي 343.90 مليون درهم خلال الفترة نفسها. وتعكس هذه المؤشرات تطور القدرة المالية للجماعة، وهو ما يسمح بتمويل مشاريع أكثر طموحا خلال السنوات المقبلة.
وقد اعتبر عدد من المتدخلين أن نجاح برنامج العمل المحين لن يرتبط فقط بحجم المشاريع أو الميزانيات المرصودة، بل بمدى قدرة الجماعة على تحقيق الالتقائية بين مختلف المتدخلين، وضمان التنزيل الفعلي للمشاريع داخل الآجال المحددة، مع الحرص على تحقيق العدالة المجالية بين مختلف أحياء المدينة ومقاطعاتها.
وفي ظل هذه الدينامية، تراهن جماعة مراكش على بلورة نموذج تنموي محلي أكثر انسجاما مع التحولات التي تعرفها المدينة، يقوم على التوازن بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وعلى تعزيز الحكامة المحلية والتخطيط الاستراتيجي. كما يراهن الفاعلون المحليون على أن تساهم هذه المشاورات في بناء رؤية جديدة تجعل من مراكش مدينة أكثر استدامة وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل، دون التفريط في خصوصيتها التاريخية والثقافية التي تمنحها مكانتها المتميزة داخل المغرب وخارجه.
التعليقات مغلقة.