سراب الماء الذهبي: أسطورة الساقية اليعقوبية التي روّضت الصحراء

الانتفاضة//الحجوي محمد 

 

تُعدّ الساقية اليعقوبية بمنطقة قلعة السراغنة واحدة من أبرز الشواهد المادية على عبقرية الهندسة المائية في العصر الوسيط، حيث أرست نموذجاً فريداً في تدبير الموارد الطبيعية بالمغرب. فقد أُنشئت هذه التحفة الهيدروليكية الكبرى خلال العصر الموحدي، وتحديداً في زمن السلطان يعقوب المنصور الموحدي، في إطار رؤية سياسية طموحة تهدف إلى تحويل الصحراء القاحلة إلى جنّات خضراء. وقد ارتبط هذا المشروع العملاق بسياق تاريخي دقيق، تمثل في تعاظم دور مراكش كعاصمة سياسية واقتصادية، مما استدعى تأمين موارد مائية منتظمة لتزويدها بالخضر والفواكه والماء الشروب، مستفيدة من الخيرات المائية للمجالات الداخلية لشمال الحوز والرحامنة.

 

لقد بلغت الساقية اليعقوبية من الدقة الهندسية ما جعلها إعجازاً حقيقياً، إذ امتدت لمسافة تقارب 90 كيلومتراً، انطلاقاً من وادي الأخضر وارتباطاً بشبكة وادي تساوت. وقد تم تحويل المياه عبر قنوات اصطناعية دقيقة الهندسة، مستفيدة من تقنيات الانحدار الطبيعي والتسوية الطبوغرافية التي تعكس مستوى عالياً من التحكم في قوانين الجريان والتدبير الهيدروليكي. ولم تقتصر هذه الشبكة على قناة رئيسية، بل تجاوزتها لتشكّل منظومة مائية متكاملة تضم قنوات فرعية، وقناطر لعبور المجاري المائية، وأحواضاً للتجميع والتوزيع، مما يبرز عبقرية المهندس الموحدي الذي استطاع أن يخضع الطبيعة لإرادة الإنسان.

 

تُبرز الشواهد الأركيولوجية، خاصة في منطقة البحيرة ودوار قدور بن ابريك، بقايا قنوات مائية ومنشآت حجرية وطوبية تؤكد قدم هذا النظام وارتباطه باستيطان بشري منظم. وقد أشار الباحث المتخصص C. Allain إلى هذه المعطيات في دراسته حول الرحامنة والبحيرة، حيث سجل وجود آثار لقنوات وسواقي قديمة تدل على شبكة ري واسعة ارتبطت بنشاط فلاحي مستقر. كما تعزز هذه الشواهد فرضية وجود مدينة أثرية مطمورة تُعرف محلياً بـ«الصافي» أو «لهري»، يُرجّح أنها تعود للفترة الموحدية، ولا تزال إلى اليوم تحت سطح الأرض في انتظار تنقيبات علمية منهجية يمكن أن تكشف النقاب عن كنوز دفينة.

 

ولم تكن الساقية اليعقوبية مجرد منشأة مائية معزولة، بل كانت جزءاً من منظومة ترابية متكاملة. ففي إطار السياق نفسه، يربط الباحث هنري كاترين بين هذه المنشآت المائية والبنية الطرقية، خاصة محور مراكش–مكناس الذي شكّل دعامة لما سماه «الطريق الإمبراطوري». وقد أسهم هذا المحور في خلق ترابط اقتصادي بين مراكز الإنتاج الفلاحي والمراكز الحضرية، ضمن مجال أوسع يمكن وصفه بـ«المثلث الاقتصادي» الرابط بين الدار البيضاء وتادلة ومراكش. هذا التكامل المذهل بين الماء والطرق والتبادل الاقتصادي جعل من الساقية اليعقوبية نموذجاً رائداً للتنمية المستدامة قبل عصرها.

 

أما من الناحية الاجتماعية، فقد أبرز الباحث أ. لوت أن الأراضي المسقية بالمغرب، ومنها مجالات الرحامنة، خضعت لتنظيم دقيق في توزيع المياه، حيث كانت السواقي تمثل إطاراً قانونياً واجتماعياً يحدد حقوق الاستفادة ويؤطر العلاقات بين الفلاحين. وهذا ما ينطبق تماماً على الساقية اليعقوبية التي شكّلت ركيزة لتنظيم فلاحي جماعي قائم على استغلال الماء وفق قواعد مضبوطة. وقد ساهم هذا النظام العادل في استقرار الساكنة وتكثيف الإنتاج الزراعي، مما جعل المنطقة بوتقة تنصهر فيها مختلف العناصر البشرية والاقتصادية في لوحة بديعة من التعاون والازدهار.

 

لكن هذا المجد المائي لم يدم طويلاً، حيث عرف النظام تراجعاً تدريجياً ابتداءً من الفترة المرينية، في سياق التحولات السياسية والعسكرية التي عرفها المغرب الوسيط. وتشير الروايات المحلية إلى تعرض أجزاء من الساقية للهدم والتخريب، ثم جاء الإهمال اللاحق ليطمس معالمها، حيث استُخدمت مواد بنائها في تشييد مساكن محلية، وهو ما يفسر الطابع المجتزأ للبقايا الحالية. ورغم هذا الاندثار التدريجي، فإن ما تبقى من الساقية اليعقوبية يظل شاهداً مادياً على قدرة الإنسان على تكييف المجال الطبيعي، ورصيداً تراثياً يستدعي مزيداً من البحث والتنقيب والتثمين، خاصة في ظل ما تختزنه منطقة البحيرة من إمكانات أثرية واعدة.

 

إن الساقية اليعقوبية لا تمثل مجرد أثر مائي جامد، بل تُجسّد نظاماً ترابياً متكاملاً يجمع بين الهندسة والسلطة والاقتصاد في تناغم بديع. إنها قصة انتصار الإرادة البشرية على قسوة الطبيعة، وحكاية شعب استطاع أن يحول سراب الصحراء إلى ماء ذهبي يروي عطش الحضارة. وبينما تنام هذه التحفة الأثرية تحت التراب، تظل ذاكرة السواقي حية في وجدان المنطقة، تنتظر من يوقظها من سباتها لتعود شاهدة على أمجاد خالدة صنعها أجدادنا بعبقريتهم الفذة.

التعليقات مغلقة.