الانتفاضة _/الحجوي محمد
لا تبنى المدن العظيمة بموافقات صامتة، ولا تزدهر المجتمعات بتصفيق حارّ يخفي وراءه حقائق مرّة. التنمية الحقيقية تحتاج إلى أقلام لا تخشى قول الحقيقة، وألسنة تنطق بما يراه المواطن في شارعه ومدرسته ومستشفاه. فحين يسود مديح مطلق لكل قرار، ويُغطى الخطأ بطبقة من المجاملات، تتوقف عجلة الإصلاح ويُدفع المواطن فاتورة التزوير الصامت.
المسؤول الناجح لا يبحث عمّن يصفّق له، بل عمّن ينصحه بصدق. النقد ليس خيانة، بل هو مرآة تعكس الغبار على الرفوف قبل أن يتحول إلى عفن يأكل جدران المؤسسة. حين يخاف الكاتب أو الإعلامي أو حتى المواطن من كلمة حق، تتراكم المشكلات الصغيرة حتى تصبح كوارث مستعصية. الطريق المتصدع، الإنارة المنطفئة، الخدمة العمومية المتعثرة… كلها رسائل يومية يكتبها الواقع، فلماذا نخاف من قراءتها بصوت عالٍ؟
المدينة التي تخلو من النقد الصادق تشبه سفينة أبحرت بدون بوصلة، ربما تطفو على الماء، لكنها حتماً ستضيع في العاصفة الأولى. أما المدن التي استطاعت أن تتقدم فبنيت نهضتها على مؤسسات تحترم الصوت الناقد، وتعتبر رأي المخالف فرصة للتعلم وليس تهديداً للكرسي.
الوقت أثبت أن المجاملات الإعلامية لا تملأ بطون الجياع، ولا تبني جسراً، ولا تداوي مريضاً. ما يبني المدينة هو قلم يكتب: “هنا خلل”، وإدارة ترد: “سنصلح”. يبقى السؤال الذي تطرحه التجارب الإنسانية على كل مسؤول: هل تريد أن تحاط بالمصافحة الحارة أم بالنصيحة الصادقة؟ الأولى تشعرك بالرضا الزائف، والثانية تنقذك قبل أن تدفع المدينة ثمناً لا يُرد.