الانتفاضة//الحجوي محمد
في زوايا البيوت المغربية العتيقة، وتحت غبار الذاكرة الجميلة، يستقر “الطيفور” أو “المكب” كأحد أروع تجليات الفنون التراثية التي عرفتها البلاد على مر العصور. هذا الطبق التقليدي العريق لم يكن مجرد وعاء عابر، بل كان شاهداً على طقوس الزواج الملكي والسلطاني، حيث كان يحمل بين جنباته أسرار “الدفوع” أو “العراضة”، تلك الهدايا التي كانت ترسلها العروس إلى بيت زوجها، حاملة معها ملابسها ومجوهراتها وحلوياتها وتمورها وحناءها وحليبها، وكل ما يعتبر ضرورياً لبدء حياة جديدة.

يعود تاريخ الطيفور إلى عهود الملوك والسلاطين المغاربة، الذين أولوه مكانة خاصة جعلته رمزاً من رموز البذخ والأناقة والكرم. فقد كان هذا الطبق الضخم المصنوع بدقة متناهية يُستخدم لنقل المقتنيات الثمينة في مواكب الزفاف، حيث تسير النساء حاملات الطيفور على رؤوسهن، متمايلات بأناقة، ليشكلن لوحة حية من لوحات التراث المغربي الحي.

وما يميز الطيفور تنوع أشكاله وخاماته، فهو يُصنع من النحاس اللامع الذي يعكس ضوء الشمس، أو من الفضة النقية التي تليق بالمقتنيات الملكية، أو من الخشب المنحوت بعناية، أو من القصب الخفيف، أو من الزجاج الشفاف الذي يضفي لمسة من الرقة. لكن المفاجأة تكمن في زخارفه الغنية، حيث يُزين بالقطيفة الفاخرة والأحجار الكريمة التي تلمع كنجوم الليل، بالإضافة إلى “الطرز الرباطي” الشهير، ذلك الفن الإبروي الدقيق الذي حوّل الطيفور إلى لوحة فنية نابضة بالحياة.

لم يقتصر استخدام الطيفور على المناسبات الزوجية فقط، بل امتد ليشمل الاحتفالات الدينية والوطنية، حيث كان يُستخدم لنقل الهدايا بين السلاطين والقبائل، أو لتقديم أشهى المأكولات في الولائم الكبرى. ومع مرور الزمن، تحول الطيفور من أداة عملية إلى تحفة فنية مطلوبة في المتاحف والمجموعات الخاصة، ولدى هواة جمع التحف التراثية المغربية الأصيلة.

اليوم، ومع تيارات العولمة واندثار الكثير من العادات التقليدية، لا يزال الطيفور المغربي صامداً في وجه النسيان، بفضل جهود الحرفيين الذين يواصلون إحياء هذا الإرث الثمين، وحرص العرائس في بعض المناطق على إحياء طقس “الدفوع” التقليدي. إنه رمز حي على أن التراث المغربي ليس مجرد ماضٍ يُحكى، بل حاضر يُعاش وفنٌ يُتذوق، تماماً كطبق الطيفور الذي حمل يوماً أجمل هدايا العمر.