توثيق معلق ومصالح متضررة: تداعيات إضراب العدول بالمغرب

الانتفاضة/ سلامة السروت

يشهد قطاع التوثيق العدلي في المغرب حالة من الشلل شبه التام نتيجة الإضراب المفتوح الذي يخوضه العدول، وهو وضع غير مسبوق انعكس بشكل مباشر على الحياة اليومية لآلاف المواطنين. فقد تحولت مصالح التوثيق، التي تشكل ركيزة أساسية في المعاملات الأسرية والعقارية، إلى فضاءات مغلقة في وجه المرتفقين، مما أدخلهم في “نفق انتظار” مفتوح على كل الاحتمالات.

وتكمن خطورة هذا الإضراب في طابعه الشامل واستمراريته، حيث أدى إلى تعليق مئات الطلبات اليومية المتعلقة بالزواج والطلاق الاتفاقي، فضلا عن تعطيل عدد كبير من المعاملات العقارية. فحسب المعطيات المتداولة، يتم يوميا تأجيل ما يقارب 500 طلب زواج على المستوى الوطني، وهو رقم مرشح للتضاعف مع استمرار الاحتجاج، مما يراكم آلاف الملفات العالقة شهريا. ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يشمل أيضا تعطيل توثيق عقود بيع وشراء العقارات واستخراج وثائق ضرورية لفئات اجتماعية هشة، مثل الأرامل والمعتقلين.

هذا الوضع أفرز تداعيات اقتصادية واجتماعية واضحة، إذ إن توقف توثيق المعاملات العقارية ينعكس سلبا على حركة الاستثمار والتداول المالي، ويؤدي إلى تجميد رؤوس أموال مهمة. كما أن تعطيل إجراءات الزواج والطلاق يخلق أوضاعا قانونية وإنسانية معقدة، تمس الاستقرار الأسري وتؤخر تسوية أوضاع شخصية حساسة.

ويأتي هذا الإضراب في سياق رفض مهني واسع لمضامين مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، حيث يرى المهنيون أنه لا يستجيب لتطلعاتهم ولا يوفر الضمانات الكفيلة بتحسين ظروف العمل وتطوير المهنة. وفي المقابل، تبدو الحكومة متمسكة بمواصلة المسار التشريعي للمشروع، دون تقديم تنازلات واضحة، مما يزيد من حدة التوتر ويعمق الأزمة.

ويطرح هذا الوضع إشكالية التوازن بين حق المهنيين في الاحتجاج والدفاع عن مطالبهم، وحق المواطنين في الاستفادة من خدمات عمومية حيوية بشكل منتظم. فاستمرار هذا “البلوكاج” يهدد الثقة في المرفق العمومي ويضعف الإحساس بالأمن القانوني، خاصة في ظل غياب بدائل عملية.

إن تجاوز هذه الأزمة يمر حتما عبر فتح حوار جاد ومسؤول بين مختلف الأطراف، يراعي مصلحة المواطن بالدرجة الأولى، ويهدف إلى إصلاح حقيقي لمنظومة التوثيق العدلي. فالمطلوب اليوم ليس فقط إنهاء الإضراب، بل بناء إطار قانوني متوازن يضمن كرامة المهنيين ويصون حقوق المرتفقين، بما يعزز استقرار المعاملات ويخدم التنمية الشاملة.

التعليقات مغلقة.