الانتفاضة/ ابراهيم أكرام
تواصل السلطات المحلية بمدينة مراكش تنزيل برامجها الرامية إلى القضاء على السكن غير اللائق وتحسين جودة العيش بالمجالات الحضرية، وذلك في إطار الجهود المتواصلة لتفعيل برنامج “مدن بدون صفيح” الذي يشكل أحد أبرز الأوراش الاجتماعية والعمرانية بالمملكة. وفي هذا السياق، شهد حي المحاميد، يوم الثلاثاء 2 يونيو 2026، عملية ميدانية واسعة لهدم عدد من البنايات العشوائية المتواجدة بمستودع حصين، وذلك ضمن مشروع تهيئة حضرية يهدف إلى إعادة تنظيم المجال العمراني وتعزيز البنيات التحتية بالمنطقة.
وتندرج هذه العملية في إطار مشروع استراتيجي يروم إنجاز ممر طرقي رئيسي يربط بين شارع عبد الله إبراهيم وشارع الخليج، وهو المشروع الذي ينتظر أن يساهم في تحسين حركة السير والجولان وتخفيف الضغط المروري بعدد من المحاور الحيوية بمدينة مراكش، فضلا عن دوره في تعزيز الربط بين الأحياء السكنية وتسهيل تنقل المواطنين.
وقد أسفرت العملية عن هدم 38 بناية عشوائية كانت مبرمجة ضمن هذه المرحلة من المشروع، في خطوة تعكس استمرار الجهود الرامية إلى تحرير العقارات المعنية بالأشغال المبرمجة، وتهيئة الظروف الملائمة لتنفيذ المشاريع التنموية التي تستجيب لحاجيات الساكنة ومتطلبات التوسع الحضري الذي تعرفه المدينة الحمراء خلال السنوات الأخيرة.
ولم تقتصر هذه العملية على الجانب العمراني فقط، بل رافقتها مقاربة اجتماعية تروم الحفاظ على حقوق الأسر المتضررة وضمان استفادتها من بدائل سكنية مناسبة. وفي هذا الإطار، استفادت 42 أسرة من بقع أرضية بتجزئة الكومي، وذلك في إطار برنامج إعادة الإيواء الذي يهدف إلى تمكين الأسر المعنية من الولوج إلى سكن لائق يحترم شروط الكرامة والاستقرار الاجتماعي.
ويعكس هذا التوجه حرص السلطات العمومية على اعتماد مقاربة متوازنة تجمع بين ضرورة محاربة السكن العشوائي من جهة، والحفاظ على البعد الإنساني والاجتماعي من جهة أخرى، من خلال توفير حلول عملية ومستدامة للأسر المعنية قبل مباشرة عمليات الهدم والإزالة.
ويعتبر برنامج “مدن بدون صفيح” من بين أهم البرامج الاجتماعية التي أطلقتها المملكة بهدف القضاء التدريجي على مختلف أشكال السكن غير اللائق، وتحسين ظروف عيش المواطنين، والحد من مظاهر الهشاشة الاجتماعية المرتبطة بالأحياء العشوائية. وقد ساهم هذا البرنامج خلال السنوات الماضية في تحسين أوضاع آلاف الأسر بمختلف المدن المغربية، من خلال إعادة إسكانها أو تمكينها من الاستفادة من بقع أرضية مجهزة أو شقق سكنية في إطار برامج الدعم العمومي.
وفي مدينة مراكش على وجه الخصوص، شهدت السنوات الأخيرة سلسلة من التدخلات الرامية إلى إعادة هيكلة عدد من الأحياء الناقصة التجهيز وإزالة البؤر العشوائية التي تشكل عائقاً أمام التنمية الحضرية. كما مكنت هذه التدخلات من تحرير مساحات عقارية مهمة جرى تخصيصها لإنجاز مشاريع طرقية ومرافق عمومية وتجهيزات اجتماعية تخدم الساكنة المحلية.
وقد أشرفت على عملية الهدم لجنة ميدانية ضمت مختلف المتدخلين من سلطات محلية ومصالح أمنية وتقنية وإدارية، حيث جرى التنسيق بين جميع الأطراف المعنية لضمان تنفيذ العملية في أفضل الظروف التنظيمية واللوجستيكية. كما تم اتخاذ كافة التدابير اللازمة للحفاظ على الأمن العام وتفادي أي عراقيل قد تؤثر على سير العملية.
وسجلت العملية مرورها في ظروف عادية ودون تسجيل أية حوادث أو اختلالات، وهو ما يعكس حجم التنسيق المسبق الذي سبق تنفيذها، سواء على مستوى التواصل مع الأسر المستفيدة أو على مستوى تعبئة الموارد البشرية والتقنية الضرورية لإنجاح هذا التدخل الميداني.
وأكدت المعطيات المتوفرة أن السلطات المعنية حرصت على احترام كرامة المواطنين ومراعاة مختلف الجوانب الإنسانية المرتبطة بهذه العملية، خصوصا أن موضوع السكن يعد من القضايا الاجتماعية الحساسة التي تتطلب تعاملاً متوازناً يجمع بين تطبيق القانون ومراعاة الأوضاع الاجتماعية للأسر المعنية.
ويأتي مشروع الربط الطرقي بين شارع عبد الله إبراهيم وشارع الخليج في إطار رؤية أشمل لتطوير البنية التحتية بمدينة مراكش ومواكبة النمو الديمغرافي والعمراني الذي تعرفه المدينة. إذ من المنتظر أن يساهم هذا المحور الجديد في تحسين انسيابية حركة المرور وتسهيل الولوج إلى عدد من الأحياء السكنية، فضلاً عن تعزيز جاذبية المنطقة للاستثمارات والخدمات.
كما يشكل تحرير العقارات المحتلة بشكل غير قانوني خطوة أساسية لإنجاز هذا النوع من المشاريع المهيكلة التي تتطلب أوعية عقارية خالية من أي عوائق، وهو ما يفسر مواصلة عمليات الهدم والإزالة وفق برنامج زمني محدد يشمل ما تبقى من البنايات العشوائية المتواجدة بالموقع.
ويرى متابعون للشأن المحلي أن هذه العمليات تكتسي أهمية كبيرة بالنظر إلى تأثيرها المباشر على تحسين المشهد الحضري للمدينة، والحد من التوسع العشوائي الذي يشكل أحد أبرز التحديات التي تواجه المدن الكبرى. كما أن نجاح هذه التدخلات يظل رهيناً باستمرار اعتماد المقاربة التشاركية والتواصلية التي تضمن انخراط الساكنة وتفهمها للأهداف التنموية المنشودة.
ومن المرتقب أن تستأنف السلطات خلال الأسابيع المقبلة عمليات الهدم الخاصة بالبنايات المتبقية ضمن هذا المشروع، وذلك وفق الجدولة الزمنية المعتمدة، بما يسمح باستكمال مختلف المراحل المرتبطة بتهيئة الموقع وإطلاق الأشغال التقنية الخاصة بالممر الطرقي الجديد.
وتؤكد هذه العملية مرة أخرى التزام مختلف المتدخلين بمواصلة تنفيذ البرامج الرامية إلى القضاء على السكن غير اللائق وتحسين ظروف عيش المواطنين، في إطار رؤية تنموية شاملة تجعل من الإنسان محوراً أساسياً لكل السياسات العمومية. كما تعكس حرص السلطات على تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية الحضرية واحترام الحقوق الاجتماعية للسكان، بما يضمن بناء مدينة أكثر تنظيماً واستدامة وقادرة على الاستجابة لتطلعات ساكنتها في الحاضر والمستقبل.
وبين رهانات التأهيل الحضري ومتطلبات العدالة الاجتماعية، تواصل مراكش خطواتها نحو تعزيز بنيتها العمرانية وتطوير مرافقها الأساسية، مستفيدة من برامج وطنية كبرى جعلت من محاربة السكن غير اللائق أولوية استراتيجية تهدف إلى تحسين جودة الحياة وتحقيق تنمية حضرية متوازنة ومستدامة.