الانتفاضة/ شاكر ولد الحومة
وجهت شركة المحطة الطرقية للمسافرين بباب دكالة بمدينة مراكش ملتمسا إلى الملك محمد السادس، عبرت فيه عن تحفظاتها بشأن مشروع نقل نشاط المحطة الطرقية الحالية إلى الموقع الجديد بمنطقة العزوزية، وهو المشروع الذي أثار خلال الفترة الأخيرة نقاشا واسعا بين الفاعلين في قطاع النقل الطرقي وعدد من المتتبعين للشأن المحلي، بالنظر إلى ما يحمله من انعكاسات تنظيمية واقتصادية واجتماعية على المدينة وعلى المرتفقين على حد سواء.
وترى الشركة أن المحطة الطرقية الحالية بباب دكالة تشكل مرفقا حيويا داخل النسيج الحضري لمدينة مراكش، بالنظر إلى موقعها المركزي الذي يسهل الولوج إليها من مختلف الأحياء، ويجعلها نقطة تقاطع أساسية لحركة المسافرين الوافدين والمغادرين. وتؤكد في ملتمسها أن هذا الموقع الاستراتيجي لم يكن مجرد عنصر جغرافي، بل ساهم عبر سنوات طويلة في ترسيخ دينامية اقتصادية مهمة، حيث شكلت المحطة فضاء يرتبط بسلسلة من الأنشطة التجارية والخدماتية، من نقل حضري وسيارات أجرة ومقاهي ومحلات صغيرة، مما جعلها جزءا من دورة اقتصادية يومية يستفيد منها عدد كبير من العاملين والمهنيين.
وتضيف الشركة أن أي قرار يتعلق بنقل هذا المرفق الحيوي يجب أن يأخذ بعين الاعتبار ليس فقط الجوانب التقنية والتخطيطية، ولكن أيضا الأبعاد الاجتماعية المرتبطة بالآلاف من الأسر التي تعتمد بشكل مباشر أو غير مباشر على النشاط داخل وحول المحطة الحالية. وتشير إلى أن هذا المعطى يكتسي أهمية خاصة في سياق حضري متسارع النمو مثل مدينة مراكش، التي تعرف توسعا عمرانيا كبيرا وتزايدا في الطلب على خدمات النقل بين المدن.
وفي هذا السياق، عبرت الشركة عن رفضها للصيغة الحالية لمشروع الترحيل نحو منطقة العزوزية، معتبرة أن المشروع لم يواكب، حسب رأيها، مقاربة تشاركية كافية مع مختلف المتدخلين والمهنيين في القطاع. وترى أن غياب هذا التشاور الموسع أدى إلى طرح تصور لا يعكس بشكل كامل تعقيدات القطاع ولا يأخذ بعين الاعتبار التجربة الميدانية للفاعلين الذين يشتغلون داخل المحطة منذ سنوات طويلة.
كما أشارت إلى أن المشروع الجديد عرف تعديلات مقارنة بالتصور الأول الذي تم تقديمه سنة 2014، وهو ما تعتبره الشركة مؤشرا على وجود تحولات في الرؤية التخطيطية للمشروع، لكنها في المقابل ترى أن هذه التعديلات لم يتم توضيح خلفياتها بشكل كاف للمهنيين، الأمر الذي خلق حالة من الغموض وعدم اليقين لدى المستثمرين والعاملين في القطاع. وأضافت أن بعض الملاحظات المرتبطة بالمشروع سبق أن كانت موضوع مراسلات وإجراءات قانونية، وهو ما يعكس، حسب تعبيرها، استمرار عدد من الإشكالات العالقة التي لم يتم الحسم فيها بشكل نهائي.
وتؤكد الشركة أنها وجهت في فترات سابقة مراسلات إلى عدد من المؤسسات والجهات المعنية، من بينها وزارة الداخلية ووزارة النقل واللوجستيك وولاية جهة مراكش آسفي والمجلس الجماعي لمدينة مراكش، وذلك بهدف التنبيه إلى ما تعتبره مخاطر محتملة قد تترتب عن عملية الترحيل، سواء على مستوى التنظيم اللوجستي لحركة النقل أو على مستوى التوازنات الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بالمرفق الحالي. وتشير إلى أن هذه المراسلات كانت تهدف إلى فتح نقاش مؤسساتي مسؤول حول مستقبل المحطة الطرقية، بما يضمن استمرارية الخدمة العمومية في أفضل الظروف.
ومن بين النقاط التي أثارتها الشركة كذلك، مسألة إحداث شركة جديدة تحت اسم “شركة مسافر مراكش”، حيث عبرت عن تحفظها إزاء هذه الخطوة، معتبرة أنها تطرح إشكالات قانونية تتعلق بوضعية الشركة الأصلية وحقوق الشركاء والمهنيين المستثمرين في القطاع. وترى أن أي إعادة هيكلة من هذا النوع يجب أن تتم في إطار من الشفافية القانونية والوضوح المؤسساتي، مع ضمان عدم الإضرار بالمصالح المكتسبة أو خلق وضعيات غير متوازنة بين الفاعلين الاقتصاديين.
كما شددت الشركة على أن أي مشروع لتحديث البنيات التحتية للنقل الطرقي هو في حد ذاته خطوة إيجابية ومطلوبة، خاصة في مدينة بحجم وأهمية مراكش التي تستقطب ملايين الزوار سنويا وتعتبر قطبا سياحيا واقتصاديا بارزا على المستوى الوطني. غير أنها تؤكد في الوقت ذاته أن هذا التحديث يجب أن يتم في إطار رؤية متكاملة توازن بين تطوير المرافق العمومية وتحسين جودة الخدمات من جهة، والحفاظ على استقرار الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بها من جهة أخرى.
وتضيف أن تجربة المحطة الحالية بباب دكالة أثبتت على مدى عقود قدرتها على استيعاب تدفقات كبيرة من المسافرين، وتوفير خدمات النقل بين المدن بشكل يومي ومنتظم، مما جعلها نقطة مرجعية في منظومة النقل الطرقي بالمغرب. كما ساهمت في ربط مراكش بعدد من الوجهات الوطنية، الأمر الذي عزز من مكانتها كحلقة وصل مهمة داخل الشبكة الوطنية للنقل.
وفي المقابل، ترى الشركة أن نقل هذا النشاط إلى موقع جديد بمنطقة العزوزية يطرح تحديات مرتبطة بالولوجية وبالبنية التحتية وبمدى استعداد المنطقة الجديدة لاستيعاب نفس حجم التدفقات البشرية واللوجستية. كما تطرح تساؤلات حول تأثير هذا النقل على حركة النقل الحضري داخل المدينة، وعلى كلفة التنقل بالنسبة للمواطنين، وعلى الزمن المستغرق للوصول إلى المحطة الجديدة مقارنة بالموقع الحالي.
وتؤكد الشركة أن هذه الاعتبارات تجعل من الضروري إعادة فتح النقاش حول المشروع، ودراسة بدائل أخرى قد تكون أكثر توازنا من حيث الموقع والتأثيرات، مع ضرورة إشراك فعلي لكل الأطراف المعنية، بما في ذلك المهنيين والمستثمرين والسلطات المحلية والجهات الوصية على القطاع. وترى أن المقاربة التشاركية هي السبيل الأمثل لضمان نجاح أي مشروع من هذا الحجم، خاصة عندما يتعلق الأمر بمرفق عمومي حساس يرتبط بحياة آلاف المواطنين اليومية.
كما شددت في ختام ملتمسها على تمسكها بالدفاع عن المصلحة العامة، وبمواصلة تطوير خدمات النقل الطرقي بما يواكب التحولات التي تعرفها البلاد في مجال البنيات التحتية والتنقل. لكنها في الوقت ذاته تطالب بإيجاد حل توافقي يضمن التوازن بين متطلبات التحديث وحماية الحقوق والمصالح الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بالمحطة الطرقية الحالية.
ويأتي هذا الجدل في سياق أوسع يشهده قطاع النقل الطرقي بالمغرب، حيث تتجه العديد من المدن إلى إعادة هيكلة محطاتها الطرقية بهدف تحسين جودة الخدمات وتخفيف الضغط عن المراكز الحضرية، غير أن هذه العمليات غالبا ما تثير نقاشات مماثلة حول موقع المرافق الجديدة ومدى تأثيرها على التوازنات الاقتصادية والاجتماعية القائمة. وفي هذا الإطار، يظل ملف المحطة الطرقية بباب دكالة واحدا من الملفات التي تعكس التحدي القائم بين متطلبات التحديث الحضري والحفاظ على استمرارية الأنشطة الاقتصادية التي تشكل جزءا من هوية المدينة وديناميتها اليومية.