أوزين يكشف المستور

0

الانتفاضة

في عالم السياسة أصبح كل شيء ممكن ، خاصة في ظل غياب ميكانيزمات الراقابة والحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وعليه لم يعد الأمر مجرد تحليل سياسي أو نقد من “خارج الأسوار”، بل تحول إلى طرح صريح حول حدود الممارسة الرقابية داخل قبة البرلمان، وجاء هذه المرة بلسان محمد أوزين.
ففي مداخلة إعلامية خلال حلوله ضيفاً على برنامج ساعة الصراحة على القناة الثانية 2M، أثار الرجل الانتباه حين أقرّ بأن نواب الأمة يجدون أنفسهم في مواجهة ميزانيات تُعد بالمليارات، لكنهم في نهاية المطاف يكتفون بالمصادقة على مشاريع وقوانين مالية لا يملكون دائماً مفاتيحها التقنية ولا يحيطون بكل تفاصيلها المعقدة.
هذا التصريح يفتح نقاشاً واسعاً حول موقع المؤسسة التشريعية في منظومة تدبير المال العام، ويطرح تساؤلات حول مدى قدرة البرلماني على ممارسة دوره الرقابي في ظل تعقيد متزايد للمالية العمومية.
فالهندسة المالية الحديثة، بما تحمله من مصطلحات تقنية وآليات تمويل متعددة، تجعل من قانون المالية وثيقة دقيقة تتطلب أدوات تحليل متقدمة، وهو ما لا يتوفر دائماً بنفس الدرجة داخل البرلمان.
إن الإشارة إلى صعوبة الإلمام ببعض الصناديق والآليات التمويلية تعكس تحدياً حقيقياً يرتبط بطبيعة المعلومة المالية وحدود الولوج إليها.
وبينما تحضر الحكومة بأطر وخبرات متخصصة، يجد النائب نفسه أمام معطيات مركبة، ما يطرح إشكال توازن الوسائل في لحظة النقاش والمراقبة.
وفي هذا السياق، يبرز دور المجلس الأعلى للحسابات، الذي يصدر بشكل دوري تقارير دقيقة حول تدبير المال العام، ترصد اختلالات وتقدم توصيات واضحة.
غير أن المفارقة تكمن في كون هذه التقارير، رغم أهميتها، لا تجد دائماً طريقها إلى تفعيل رقابي قوي داخل البرلمان، خاصة في ظل ما أقرّ به أوزين من محدودية الأدوات المتاحة للنواب في فهم ومساءلة بعض الجوانب المالية المعقدة، وهو ما يطرح تساؤلات حول فعالية الربط بين الرقابة المؤسساتية والمساءلة السياسية.
وفي مستوى أعمق، يتجاوز هذا النقاش الجانب التقني ليطرح مسألة الممارسة السياسية داخل البرلمان، حيث أقرّ أوزين، بشكل ضمني، بوجود ما يمكن وصفه بـ”الأغلبية الصامتة”، التي تتحرك في إطار الانضباط الحزبي، وهو ما قد يحدّ أحياناً من دينامية النقاش والمساءلة، خاصة في الملفات ذات الطابع المالي المعقد.
كما يبرز في هذا السياق حضور متزايد للمقاربة التقنية في تدبير الميزانية، حيث تميل كفة الخبرة الإدارية والمالية إلى التأثير بشكل أكبر في مسار إعداد ومناقشة القوانين المالية.
هذا التوازن غير المتكافئ بين القرار السياسي والخبرة التقنية يجعل النقاش البرلماني، في بعض الأحيان، أقرب إلى مسار إجرائي منه إلى فضاء حقيقي للتدقيق والمساءلة.
وفي ظل هذا الواقع، يطرح تصريح أوزين سؤالاً محورياً يتعلق بالثقة والمحاسبة: كيف يمكن تعزيز فعالية الرقابة البرلمانية في ظل صعوبة الإحاطة الكاملة ببعض الملفات المالية؟ وإلى أي حد يمكن تطوير آليات الدعم التقني والمعرفي داخل المؤسسة التشريعية بما يضمن تمكين النواب من أدوات الفهم والتحليل، خاصة في ما يتعلق بالصناديق الخاصة وآليات التمويل الحديثة؟
في النهاية، لا يتعلق الأمر بانتقاد ظرفي، بل بنقاش أعمق حول شروط ممارسة رقابة فعالة على المال العام، في مرحلة تتسم بتعقيد متزايد للسياسات المالية، وتفرض إعادة التفكير في العلاقة بين القرار السياسي وأدوات المراقبة، بما يضمن توازناً حقيقياً بين الفعالية والشفافية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.