التزكيات الحزبية والترحال السياسي وإنتاج النخب بالمغرب: مقاربة مؤسساتية في ضوء دستور 2011 ورهانات الحكامة والدولة التنموية..

0

الانتفاضة/ محمد جرو
ايمانا منا في جريدة الإنتفاضة ،بمواكبة كل مايتعلق بالعمليات الإنتخابية ببلادنا ،ونحن على مرمى حجر من استحقاق برلماني شتنبر القادم ،ينذر بتنافس شرس ببعض الدوائر التي يطلق عليها اعلاميا “دوائر الموت”بالنظر للأسماء التي تترشح فيها ،ومقدمة ذلك التنافس الذي نريده شفافا ونزيها ،تنتصب التزكيات الحزبية كمقدمة لهذا الطوفان الإنتخابي،ننشر دراسة مهمة لتقريب القراء والمواطنين والباحثين حول هذه المسألة..

ملخص
تتناول هذه الدراسة إشكالية التزكيات الحزبية والترحال السياسي بالمغرب باعتبارهما من المحددات الأساسية لعملية إنتاج النخب السياسية وتشكيل المؤسسات التمثيلية. وتنطلق من فرضية مفادها أن جودة الحكامة العمومية لا ترتبط فقط بآليات الرقابة والمحاسبة، بل تبدأ من طبيعة النخب التي تصل إلى مواقع القرار ومن المعايير المعتمدة في اختيارها. وتعتمد الدراسة على المقاربة المؤسساتية الجديدة ونظرية النخب وأدبيات الحكامة الديمقراطية، كما تستحضر التجارب المقارنة في إسبانيا وفرنسا والبرازيل وتونس. وتخلص إلى أن التحدي الرئيسي لا يكمن فقط في ضمان نزاهة العمليات الانتخابية، وإنما في بناء منظومة سياسية قادرة على إنتاج نخب تتمتع بالكفاءة والنزاهة والقدرة على التدبير، بما ينسجم مع مقتضيات دستور 2011 ورهانات المغرب التنموية والإقليمية والدولية.
الكلمات المفتاحية: التزكيات الحزبية، الترحال السياسي، النخب السياسية، الحكامة الديمقراطية، المغرب، دستور 2011، الأحزاب السياسية.
مقدمة
أصبحت مسألة إنتاج النخب السياسية من القضايا المركزية في أدبيات العلوم السياسية الحديثة، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بجودة المؤسسات وفعالية السياسات العمومية ومستوى الثقة في النظام السياسي.
وفي المغرب، اكتسب هذا الموضوع أهمية متزايدة منذ اعتماد دستور 2011، الذي منح الأحزاب السياسية مكانة دستورية متقدمة باعتبارها مؤسسات للتأطير السياسي والمساهمة في التعبير عن الإرادة الشعبية.
غير أن النقاش العمومي ما يزال يثير تساؤلات متكررة حول معايير منح التزكيات الانتخابية، وظاهرة الترحال السياسي، واستقطاب الأعيان، ومدى قدرة الأحزاب على أداء وظائفها الدستورية في إنتاج النخب وتجديدها.
وتزداد أهمية هذا النقاش في ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة التي تواجه المغرب، والتي تفرض الحاجة إلى مؤسسات قوية ونخب قادرة على التدبير الاستراتيجي واتخاذ القرار في بيئة دولية شديدة التعقيد.
الإشكالية وأسئلة البحث
تنطلق الدراسة من السؤال المركزي التالي:
إلى أي حد تؤثر آليات التزكيات الحزبية والترحال السياسي في جودة النخب المنتخبة وفي فعالية المؤسسات التمثيلية بالمغرب؟
وتتفرع عنه الأسئلة التالية:
– هل تنسجم آليات التزكية الحالية مع الأدوار الدستورية للأحزاب؟
– ما أثر الترحال السياسي على وضوح البرامج والثقة السياسية؟
– هل تسهم أنماط الاختيار السائدة في تجديد النخب أم في إعادة إنتاجها؟
– ما العلاقة بين جودة النخب ومستوى الحكامة العمومية؟
– كيف يمكن تطوير نموذج مغربي لإنتاج النخب في ظل التحديات الراهنة؟
المنهجية
تعتمد الدراسة على:
1. المنهج المؤسسي لتحليل العلاقة بين القواعد الرسمية وغير الرسمية التي تؤطر العمل الحزبي.
2. المنهج المقارن من خلال مقارنة الحالة المغربية بتجارب إسبانيا وفرنسا والبرازيل وتونس.
3. تحليل الوثائق الرسمية بما في ذلك دستور 2011 والخطب الملكية والتقارير الوطنية.
4. تحليل الأدبيات الأكاديمية المتعلقة بالنخب السياسية والديمقراطية الحزبية والحكامة.
الإطار النظري
نظرية النخب السياسية
يرى باريتو وموسكا أن جميع المجتمعات تنتج نخباً تتولى إدارة السلطة، وأن التحدي الحقيقي يتمثل في آليات تجديد هذه النخب.
أما روبرت ميشيلز، فيؤكد من خلال “القانون الحديدي للأوليغارشية” أن التنظيمات السياسية تميل بطبيعتها إلى تركيز القرار داخل دوائر ضيقة، ما يجعل الديمقراطية الداخلية تحدياً دائماً.
المقاربة المؤسساتية الجديدة
يرى دوغلاس نورث أن المؤسسات لا تقتصر على النصوص القانونية، بل تشمل أيضاً القواعد غير الرسمية التي توجه السلوك السياسي.
ومن هذا المنظور، تصبح التزكية الحزبية مؤسسة حاسمة في تحديد من يصل إلى مواقع المسؤولية.
الحكامة الديمقراطية
ترتبط الحكامة الجيدة وفق أدبيات البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية بمبادئ الشفافية والمساءلة والفعالية والمشاركة.
وتفترض هذه الأدبيات أن جودة المؤسسات ترتبط مباشرة بجودة النخب التي تديرها.
الأحزاب السياسية في ضوء دستور 2011
كرس الفصل السابع من دستور المملكة المغربية لسنة 2011 دور الأحزاب السياسية في:
– تأطير المواطنين.
– تكوينهم السياسي.
– تعزيز مشاركتهم في الحياة العامة.
– المساهمة في التعبير عن الإرادة الشعبية.
كما أكدت الخطب الملكية المتعاقبة على:
– تجديد النخب.
– تخليق الحياة العامة.
– ربط المسؤولية بالمحاسبة.
– تشجيع الكفاءة والاستحقاق.
غير أن التساؤل المطروح يتمثل في مدى ترجمة هذه المبادئ إلى ممارسات تنظيمية داخل الأحزاب.
التزكيات الحزبية والترحال السياسي: بين القانون والسياسة
من الناحية القانونية، تعد التزكيات الحزبية شأناً تنظيمياً داخلياً، كما أن تغيير الانتماء السياسي يبقى حقاً مشروعاً في إطار الحريات العامة.
غير أن الإشكال العلمي لا يتعلق بالمشروعية القانونية، بل بالآثار المؤسساتية والسياسية لهذه الممارسات.
فكلما اقتربت الانتخابات، يزداد الجدل حول:
– استقطاب الأعيان.
– الصراعات حول التزكيات.
– انتقال المنتخبين بين أحزاب مختلفة.
– محدودية النقاش البرامجي.
وتطرح هذه الظواهر سؤالاً محورياً:
هل تتنافس الأحزاب بالبرامج أم بالأشخاص؟
التزكيات وإشكالية الثقة السياسية
تشير الأدبيات الحديثة إلى أن تراجع الثقة في الأحزاب السياسية يعد من أبرز تحديات الديمقراطيات المعاصرة.
وفي الحالة المغربية، يلاحظ وجود مفارقة لافتة:
ففي الوقت الذي شهدت فيه المملكة تطوراً مؤسساتياً مهماً، ما تزال نسب مهمة من المواطنين تعبر عن ترددها تجاه المشاركة السياسية.
ويطرح ذلك أسئلة جوهرية:
– هل يشعر المواطن بأن الكفاءة هي المعيار الحاسم للوصول إلى المسؤولية؟
– هل تمثل التزكيات الحزبية آلية لترقية الكفاءات أم لتدبير التوازنات الانتخابية؟
– هل تتوفر الأحزاب على استراتيجيات مستدامة لإنتاج النخب أم يظل النشاط مكثفاً أساساً خلال المواسم الانتخابية؟
الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة
شهد المغرب خلال السنوات الأخيرة تعزيزاً ملحوظاً لأدوار القضاء ومؤسسات الرقابة.
وقد صدرت أحكام في ملفات مختلفة همت مسؤولين ومنتخبين على مستويات متعددة، كما توجد ملفات أخرى ما تزال قيد البحث أو التحقيق أو التقاضي.
كما حظيت بعض القضايا ذات الصدى الإعلامي الواسع، ومنها ما يعرف إعلامياً بملف “إسكوبار الصحراء”، باهتمام كبير من الرأي العام.
غير أن المقاربة الأكاديمية لا تناقش المسؤوليات الفردية، بل تطرح سؤالاً مؤسساتياً:
إذا كانت المحاسبة تعالج الاختلالات بعد وقوعها، فهل تبدأ الوقاية الحقيقية من مرحلة اختيار المرشحين؟
دراسة مقارنة
إسبانيا
اعتمدت بعض الأحزاب آليات الانتخابات التمهيدية لتوسيع المشاركة في اختيار المرشحين وتعزيز الشرعية الداخلية.
فرنسا
شهدت محاولات متكررة لتجديد النخب والانفتاح على الكفاءات القادمة من خارج الأحزاب التقليدية.
البرازيل
أظهرت التجربة أن إصلاح القضاء وحده لا يكفي إذا لم يصاحبه إصلاح لآليات إنتاج النخب السياسية.
تونس
كشفت التجربة أن التعددية الحزبية وحدها لا تضمن الثقة السياسية إذا لم تقترن بأحزاب مستقرة ومنظمة وقادرة على إنتاج نخب ذات مصداقية.
التحدي المغربي: التوفيق بين المكانة الدولية والفعالية الداخلية
أصبح المغرب فاعلاً إقليمياً ودولياً مهماً في مجالات:
– التعاون الإفريقي.
– الأمن الإقليمي.
– الاستثمار.
– الطاقات المتجددة.
– الهجرة.
– الدبلوماسية الاقتصادية.
غير أن استدامة هذا الحضور الخارجي تظل مرتبطة بقدرة المؤسسات الداخلية على إنتاج نخب في مستوى هذه الطموحات.
فالدولة التي تسعى إلى لعب أدوار متقدمة إقليمياً ودولياً تحتاج إلى مؤسسات سياسية وإدارية لا تقل قوة وكفاءة عن مكانتها الخارجية.
نحو نموذج مغربي لتجديد النخب
تقترح الدراسة ما يلي:
على مستوى الأحزاب
– نشر معايير التزكية بشكل علني.
– توسيع الديمقراطية الداخلية.
– إرساء آليات لتقييم الأداء السياسي للمنتخبين.
– الاستثمار في التكوين السياسي المستمر.
على مستوى الدولة
– ربط جزء من الدعم العمومي بمؤشرات التأطير وإنتاج النخب.
– تطوير آليات تقييم السياسات الحزبية.
– دعم الشفافية في الحياة السياسية.
على مستوى المجتمع المدني والنقابات
– تعزيز برامج التربية المدنية.
– المساهمة في تكوين الكفاءات الشابة.
– تطوير فضاءات النقاش العمومي.
على مستوى المواطنين
– الانتقال من التصويت القائم على العلاقات الشخصية إلى التصويت القائم على البرامج والكفاءة.
– تعزيز الرقابة المجتمعية على الأداء العمومي.
خاتمة
تكشف هذه الدراسة أن إشكالية التزكيات الحزبية والترحال السياسي ليست مجرد قضية تنظيمية داخل الأحزاب، بل تعكس سؤالاً أعمق يتعلق بنموذج إنتاج النخب في المغرب.
فإذا كان دستور 2011 قد وفر إطاراً متقدماً للحكامة الديمقراطية، فإن نجاح هذا المشروع يظل رهيناً بقدرة مختلف الفاعلين، من أحزاب ومؤسسات دولة ونقابات ومجتمع مدني ومواطنين، على ترجمة المبادئ الدستورية إلى ممارسات فعلية.
إن التحدي الاستراتيجي للمغرب في العقود المقبلة لا يتمثل فقط في تنظيم انتخابات دورية أو تعزيز حضوره الخارجي، بل في بناء منظومة سياسية تجعل الكفاءة والنزاهة والاستحقاق أساساً للوصول إلى المسؤولية العمومية.
وعندما تصبح جودة النخب جزءاً من مشروع الدولة والمجتمع معاً، يصبح تعزيز الثقة في المؤسسات، وتحقيق التنمية، ومواجهة التحديات الإقليمية والدولية، أهدافاً أكثر قابلية للتحقق.
المراجع
الوثائق المغربية
– دستور المملكة المغربية (2011).
– الخطب الملكية: 9 مارس 2011، خطب العرش (2017، 2022، 2023)، خطب افتتاح البرلمان.
– تقارير المجلس الأعلى للحسابات.
– تقارير الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها.
– تقارير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
المراجع العربية
– عزمي بشارة، في المسألة العربية.
– برهان غليون، نقد السياسة.
– عبد الإله بلقزيز، الدولة والمجتمع.
– سعد الدين إبراهيم، المجتمع المدني والتحول الديمقراطي.
المراجع الأجنبية
– Pareto, V. (1935). The Mind and Society.
– Mosca, G. (1939). The Ruling Class.
– Michels, R. (1911). Political Parties.
– North, D. (1990). Institutions, Institutional Change and Economic Performance.
– Huntington, S. (1968). Political Order in Changing Societies.
– Putnam, R. (1993). Making Democracy Work.
– Fukuyama, F. (2014). Political Order and Political Decay.
– Kirchheimer, O. (1966). The Transformation of Western European Party Systems.
– Katz, R. & Mair, P. (1995). Changing Models of Party Organization and Party Democracy.
– Norris, P. (2011). Democratic Deficit.
– OECD Governance Reviews.
– UNDP Governance Reports.
– World Bank Governan

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.