الانتفاضة // أنس شريد
لا تزال المنظومة الصحية بالمغرب تشكل هاجسا كبيرا لكل المرتفقين والذين يجدون صعوبات جمة في الولوج إلى الخدمات المرتبطة بهذه المنظومة الفاشلة للأسف الشديد.
وفي هذا السياق يتواصل الجدل في المغرب حول واقع المنظومة الصحية الوطنية في مرحلة توصف بالحاسمة، مع اقتراب الحكومة من نهاية ولايتها، وسط تصاعد مؤشرات تكشف عن اختلالات بنيوية تمس تدبير الموارد وجودة الخدمات، في مقابل وعود رسمية برفع نجاعة القطاع وتعميم التغطية الصحية.
هذا التباين بين الطموح المعلن والواقع الميداني أعاد النقاش إلى الواجهة بشأن مدى قدرة الإصلاحات الجارية على تحقيق التحول المنشود داخل واحد من أكثر القطاعات ارتباطًا بالانتظارات الاجتماعية للمواطنين.
في هذا السياق، فجّر ملف تدبير المناصب داخل المركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا بالرباط موجة جديدة من التساؤلات، بعدما وجّه النائب البرلماني مصطفى إبراهيمي، عضو المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، سؤالا كتابيا إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية حول ما اعتبره اختلالات قانونية وتنظيمية شابت إعلانًا رسميًا صدر بتاريخ 13 مارس 2026 تحت رقم (DERS/SEH/Mar26)، والمتعلق بفتح باب الترشح لشغل مناصب رؤساء المصالح الاستشفائية بالمستشفى الجديد.
واعتبر إبراهيمي في معرض سؤاله أن هذه الخطوة تثير إشكالات تمس مبدأ الشرعية، في ظل ما وصفه بخرق المقتضيات الدستورية والتنظيمية المؤطرة لتدبير المؤسسات العمومية.
وأوضح النائب في سؤاله الكتابي أن الإعلان المذكور شابه خرق للاختصاص الحصري لمجلس الإدارة، الذي يظل الجهة المخول لها قانونًا المصادقة على أي إعادة تنظيم استشفائي، استنادًا إلى القانون رقم 13-70 والمرسوم رقم 2-17-589، وهو ما يجعل القرار، حسب تعبيره، مشوبًا بعيب عدم الاختصاص.
كما أشار إلى تغييب المقاربة التشاركية وعدم استشارة الأساتذة الباحثين، في تعارض مع المرسوم رقم 2-98-548، إلى جانب تجميد أعمال اللجنة الوزارية الثلاثية دون سند قانوني، في مساس بمبدأ استمرارية المرفق العام.
وامتد الجدل ليشمل ما اعتُبر تجاوزًا للإطار المؤسساتي المنظم للمجموعات الصحية الترابية، حيث تم فتح باب الترشيحات قبل تنزيل هذا الورش، رغم أن قرارات مجلس الإدارة الصادرة في 5 فبراير 2025 كانت قد ربطت أي تنظيم جديد بمدى ملاءمته لهذا الإطار.
كما أثار إبراهيمي مسألة إقصاء عميد كلية الطب والصيدلة واللجنة العلمية من مسطرة اتخاذ القرار، في خرق للمادة 15 من المرسوم رقم 2-98-548 التي تشترط الاستشارة العلمية المسبقة.
وفي جانب آخر من سؤاله الكتابي، انتقد النائب الاعتماد على القانون التنظيمي رقم 12-02 المتعلق بالتعيين في المناصب العليا، معتبرًا أنه لا ينطبق على مناصب رؤساء المصالح والأقسام الاستشفائية، وهو ما يشكل، وفق تقديره، انحرافًا في تأويل النصوص القانونية.
كما أشار إلى أن المناصب موضوع الترشح لا تُعد شاغرة قانونًا، لكون التعيينات السابقة لم يتم إنهاؤها بقرارات رسمية وفق المساطر المعمول بها، محذرًا من خطورة اعتبار هدم البنية المادية للمستشفى مبررًا لإعادة ترتيب المسؤوليات الإدارية.
وطالب إبراهيمي، من خلال سؤاله، وزير الصحة والحماية الاجتماعية بالتدخل العاجل لتصحيح هذه الوضعية، متسائلًا عن الإجراءات التي تعتزم الوزارة اتخاذها لسحب الإعلان المذكور وضمان احترام القوانين وصون حقوق الأساتذة الباحثين، بما يحفظ هيبة المؤسسات الاستشفائية الجامعية.
ولم يقف النقاش عند هذا الحد، بل امتد إلى ملفات أخرى مرتبطة بتدبير الصفقات العمومية داخل القطاع الصحي، حيث سبق أن أثار النائب نفسه مصطفى إبراهيمي في سؤال كتابي منفصل معطيات رقمية بشأن صفقة تجهيز المركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا بأجهزة الجراحة الروبوتية، موضحًا أن القيمة التقديرية بلغت حوالي 39.6 مليون درهم، في حين أن تجهيزات مماثلة في السوق لا تتجاوز في بعض الحالات 20 مليون درهم، وهو فارق اعتبره مؤشرًا يطرح تساؤلات حول نجاعة تدبير المال العام.
كما أورد النائب أن تكلفة المستلزمات المرتبطة بكل عملية جراحية باستخدام هذه الأجهزة تصل إلى نحو 35 ألف درهم للعملية الواحدة، مقابل حوالي 13 ألف درهم بالنسبة لتجهيزات أخرى، ما قد يرفع الكلفة الإجمالية للعملية إلى ما بين 60 ألفًا و100 ألف درهم، وهو ما من شأنه أن يثقل ميزانية المستشفيات العمومية وصناديق التأمين الصحي.
من جهته، سبق أن أثار النائب البرلماني يوسف بيزيد، عن فريق التقدم والاشتراكية، معطيات تتعلق بتدبير الصفقات داخل مستشفى محمد الخامس بالجديدة، مشيرًا إلى اقتناء نحو 30 ألف متر من الكابلات بكلفة قاربت 90 مليون سنتيم، إضافة إلى حوالي 18 مليون سنتيم مخصصة لأشغال التركيب.
كما سجل ملاحظات حول صفقة للإطعام تمتد لثلاث سنوات، في ظل معطيات تفيد بتفاوت ترتيب المتنافسين وتكرار استفادة متعاملين بعينهم من عدة صفقات.
وفي السياق ذاته، لفت بيزيد إلى وجود مؤشرات على عدم استكمال أشغال إصلاح أُعلنت سنة 2024، رغم صرف مستحقاتها المالية، خاصة ما يتعلق بأعمال الصباغة والألمنيوم والسباكة والكهرباء، داعيًا إلى التحقق من مدى مطابقة الأشغال المنجزة للمعايير المحددة في دفاتر التحملات.
وامتد النقاش إلى جودة الخدمات الصحية، حيث تم تسجيل خصاص في بعض الأدوية الحيوية داخل أقسام الإنعاش، من بينها أمبولات البوتاسيوم وأدوية مدرة للبول وكورتيكويدات، إلى جانب نقص في أقنعة الأوكسجين، وهو ما يطرح تحديات حقيقية أمام استمرارية الخدمات العلاجية.
كما نبهت النائبة البرلمانية إلهام الساقي، عن حزب الأصالة والمعاصرة، إلى تأخر استكمال أشغال عدد من المراكز الصحية الأولية، متسائلة عن التدابير التي ستتخذها الوزارة لتسريع وتيرة الإنجاز وضمان دخول هذه المرافق حيز الخدمة في أقرب الآجال.
وفي محور آخر، سلط النائب البرلماني طارق حنيش الضوء على ملف الصحة النفسية، متسائلًا عن مدى تقدم إعداد وإطلاق الخطة الاستراتيجية متعددة القطاعات في أفق 2030، وعن الجدول الزمني لتفعيلها، وكذا الآليات الكفيلة بضمان التنسيق بين مختلف المتدخلين.
وتعكس هذه المعطيات، بما تتضمنه من أرقام دقيقة وأسئلة كتابية موجهة للحكومة، حجم التحديات التي تواجه إصلاح المنظومة الصحية، كما تبرز الحاجة إلى تعزيز آليات الحكامة والرقابة، وضمان الشفافية في تدبير الموارد العمومية، في أفق تحقيق التوازن بين جودة الخدمات الصحية وترشيد النفقات.
وبين رهانات الإصلاح وضغط الإكراهات الميدانية، يجد قطاع الصحة نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على الاستجابة لانتظارات المواطنين، في ظل سياق يتطلب قرارات حاسمة تعيد الثقة في المرفق الصحي العمومي وتكرس مبادئ العدالة والإنصاف في الولوج إلى العلاج.