الانتفاضة/ بقلم: ابو سعد
لم تعد مشاهد غرق شوارع مراكش خلال التساقطات المطرية مجرد حوادث عرضية يمكن تبريرها بعوامل مناخية استثنائية، بل أضحت مؤشرًا بنيويًا على اختلال عميق في التخطيط الحضري وتدبير مشاريع البنية التحتية. إن ما تعيشه المدينة الحمراء في كل موسم مطري يطرح بإلحاح سؤال النجاعة، ويستدعي إعادة تقييم شاملة لسياسات التدبير المحلي وربطها بمبدأي المسؤولية والمحاسبة.
لقد تم الإعلان، في أكثر من مناسبة، عن استثمارات ضخمة خُصصت لتأهيل البنية التحتية وتعزيز شبكات تصريف مياه الأمطار. غير أن الواقع الميداني يكشف مفارقة صارخة: طرقات تتحول إلى برك مائية، أحياء تغمرها السيول، وحياة يومية تتعطل بشكل يسيء إلى صورة مدينة ذات إشعاع دولي. هذه المفارقة تضعنا أمام إشكالية جوهرية تتعلق بمدى نجاعة هذه المشاريع، وحقيقة أثرها على تحسين جودة العيش.
إن الخطاب الرسمي، حين ينفصل عن الواقع، يفقد مشروعيته الرمزية. فالمواطن لم يعد يقبل بتفسيرات جاهزة أو وعود مؤجلة، بل يطالب بنتائج ملموسة تعكس حسن تدبير المال العام. وفي هذا السياق، يصبح من المشروع التساؤل: أين صرفت هذه الاعتمادات؟ وما هي آليات التتبع والتقييم التي تم اعتمادها؟ وهل تم احترام معايير الجودة والشفافية في إنجاز هذه المشاريع؟
الأخطر من ذلك، هو أن يتحول النقاش العمومي إلى مجرد تفاعلات سطحية في الفضاء الرقمي، حيث يكتفي البعض بالتعبير الظرفي دون الانخراط في مساءلة حقيقية أو اقتراح بدائل عملية. إن التغيير لا يصنعه “المنشور العابر”، بل يؤسسه وعي جماعي قائم على النقد المسؤول والمشاركة الفاعلة في الشأن العام.
إن مراكش، بتاريخها ومكانتها، لا تستحق أن تختزل في صور الغرق والارتباك. بل هي في حاجة إلى رؤية تنموية مندمجة، قوامها التخطيط الاستباقي، والحكامة الجيدة، وربط القرار العمومي بحاجيات المواطن الفعلية. فالإصلاح لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة ملحة تفرضها كرامة المدينة وساكنتها.
إن مساءلة المسؤولين ليست موقفًا عدائيًا، بل هي جوهر الفعل الديمقراطي، وضمانة أساسية لبناء مدينة قادرة على مواجهة التحديات وتحقيق التنمية المستدامة. فإما أن نعيد الاعتبار لمنطق الفعالية والشفافية، أو نظل ندور في حلقة مفرغة عنوانها: مشاريع تُعلن… وأزمات تتكرر.