الإنتفاضة مراكش
بقلم : محمد السعيد مازغ
احتفت زهرية مراكش، مساء السبت 4 أبريل 2026، بجمال الربيع وعمق الذاكرة الجماعية، في تظاهرة ثقافية متميزة أعادت الاعتبار لطقوس تقطير ماء الزهر، تحت شعار: “الزهر اللي التّْرَجا… تلقاه فمراكش البهجة”. وقد احتضنت ضيعة الحاج عبد الغني زريكم هذه الأمسية التي نظمتها جمعية المنية بمراكش، بحضور نوعي جمع بين أبناء المدينة وزوارها، مغاربة وأجانب، في أجواء احتفالية نابضة بالأصالة.
انطلقت فقرات البرنامج باستقبال الضيوف، تلاه عرض حيّ لطقوس تقطير الزهر، حيث تحوّل الفضاء إلى لوحة حية تستحضر عبق الماضي، تتقدّمها مواكب الزهر وسط الزغاريد وأصوات الصلاة على خير البرية، في مشهد يجسّد تلاحم الطقس الروحي بالاحتفاء الشعبي.
وتخللت الأمسية كلمات وازنة، أبرزها كلمة رئيس الزهرية جعفر الكنسوسي، الذي شدّد على أن تقاليد تقطير ماء الزهر ليست مجرد ممارسة موسمية، بل طقس رمزي يعكس روح التوارث والتضامن داخل المجتمع المراكشي، بما يحمله من معاني الانتماء والاستمرارية. كما أكّد على ضرورة تثمين هذا الموروث اللامادي وصونه، باعتباره ركيزة من ركائز الهوية الثقافية للمدينة.
وفي السياق ذاته، برز البعد الفني للتظاهرة من خلال مداخلات وعروض جسّدت حضور الزهر في الوجدان الإبداعي، من الأدب إلى الطرب، حيث أضفت فقرات التراث المراكشي وعروض الملحون لمسة جمالية راقية، جعلت من الأمسية فضاءً يلتقي فيه الحس الفني بالذاكرة الشعبية. وقد عكست الرؤية الفنية لهذه الدورة، التي أشرف عليها كريم آيت بريك، توجهاً واعياً نحو إحياء هذا التقليد في قالب متجدد، يوازن بين صون الأصالة والانفتاح على تعبيرات إبداعية معاصرة.
وشهدت التظاهرة أيضاً لحظة وفاء من خلال تكريم شخصيات بارزة، اعترافاً بإسهاماتها في خدمة الثقافة والتراث، في التفاتة تعكس عمق ثقافة الاعتراف المتجذرة في الوجدان المراكشي.
وتندرج هذه المبادرة ضمن دينامية ثقافية متجددة تهدف إلى إحياء التراث غير المادي، وربط الأجيال بجذورها الحضارية، حيث يظل موسم تقطير ماء الزهر طقساً ربيعياً بامتياز، تختزل فيه مراكش ذاكرتها، وتعيد عبره تشكيل هويتها في حلة من البهجة والعطر، مؤكدة أن التراث حين يُصان ويُجدَّد، يظل قادراً على الحياة والاستمرار.
التعليقات مغلقة.