تقرير TALIS 2024: حين تكشف الأرقام هشاشة المدرسة واختلالات الإصلاح – الجزء الاول-

0

الانتفاضة/ محمد الزيري

يشكل تقرير الدراسة الدولية للتعليم والتعلم (TALIS 2024)، الذي أنجز في إطار منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، محطة مفصلية في فهم واقع المنظومة التربوية بالمغرب، ليس فقط لأنه يقدم معطيات كمية حول أوضاع المدرسين وظروف اشتغالهم، بل لأنه يكشف، بشكل غير مباشر، عن اختلالات بنيوية عميقة ظلت لسنوات موضوع نقاش عمومي دون أن تجد طريقها إلى المعالجة الجذرية. غير أن القراءة المتأنية لهذا التقرير لا يمكن أن تقف عند حدود عرض الأرقام والمؤشرات، بل تفرض مقاربة نقدية تتجاوز الظاهر الإحصائي إلى تفكيك دلالاته العميقة، خاصة وأن التقرير، في صيغته التقنية، يميل إلى الحياد المنهجي الذي يخفي في كثير من الأحيان قسوة الواقع.
أول ما يلفت الانتباه في التقرير هو الطابع “الشاب” للجسم التعليمي بالمغرب، وهو معطى قد يُقدَّم في سياق معين كمؤشر إيجابي يعكس دينامية التجديد داخل المنظومة. غير أن هذا المعطى، عند وضعه في سياقه الحقيقي، يكشف عن مفارقة مقلقة؛ إذ لا يتعلق الأمر بتجديد مخطط ومدروس بقدر ما يعكس نزيفاً في الكفاءات، ومغادرة مبكرة أو عزوفاً عن الاستمرار في المهنة، مما يجعل المدرسة المغربية تعيش على إيقاع تعويض مستمر بدل بناء خبرة تراكمية. فحين يغيب الاستقرار المهني وتضعف جاذبية المهنة، يتحول “شباب” الجسم التعليمي من فرصة إلى هشاشة، حيث يتم الزج بأطر حديثة التخرج في بيئة مهنية معقدة دون امتلاك الأدوات الكافية لمواجهتها.
وفي هذا السياق، يكشف التقرير عن أحد أخطر أعطاب المنظومة، والمتمثل في ضعف آليات التأطير والمواكبة المهنية للأساتذة الجدد. فغياب نظام فعال للتوجيه والتأطير لا يعني فقط نقصاً في الدعم، بل يعكس تصوراً اختزالياً لمهنة التدريس، وكأنها مهارة يمكن اكتسابها بشكل تلقائي داخل الفصل دون حاجة إلى مصاحبة بيداغوجية حقيقية. إن الأستاذ الذي يجد نفسه منذ الأيام الأولى في مواجهة واقع الاكتظاظ، وتحديات الانضباط، وضغط المقررات، دون سند مهني، لا يمكن إلا أن يطور آليات دفاعية قد تضمن له الاستمرار، لكنها لا تضمن بالضرورة جودة التعلمات. وهنا يتحول القسم من فضاء للتعلم إلى مجال لتدبير الأزمات اليومية.
ولا يقف الأمر عند حدود التأطير، بل يمتد إلى طبيعة المناخ التربوي داخل المؤسسات التعليمية، حيث يسجل التقرير مؤشرات مقلقة مرتبطة بتنامي مظاهر العنف اللفظي وتراجع الانضباط داخل الفصول الدراسية. هذه المعطيات لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع، لكنها في الآن ذاته تعكس فشلاً مؤسساتياً في حماية الفضاء المدرسي وإعادة الاعتبار للسلطة التربوية. فحين يفقد الأستاذ موقعه الرمزي داخل الفصل، تتآكل العلاقة التربوية، ويتحول التعلم إلى عملية مشروطة بمدى قدرة المدرس على فرض النظام أكثر من قدرته على نقل المعرفة.
ومن جهة أخرى، يسلط التقرير الضوء على التفاوتات المجالية الصارخة بين الوسطين الحضري والقروي، وهي مسألة لم تعد مجرد إشكال عرضي، بل أصبحت بنية قائمة بذاتها داخل المنظومة التعليمية. فاختلاف ظروف العمل، ونقص الموارد، وصعوبة الاستقرار في المناطق القروية، كلها عوامل تجعل من تجربة التعلم غير متكافئة، وتكرس ما يمكن وصفه بـ”مدرستين داخل مدرسة واحدة”. هذه الازدواجية لا تمس فقط مبدأ تكافؤ الفرص، بل تقوض أسس العدالة التربوية، وتعيد إنتاج الفوارق الاجتماعية بدل تقليصها.
كما يبرز التقرير إشكالية الموارد البشرية، حيث تعاني العديد من المؤسسات من خصاص في الأطر التربوية والدعم التربوي، وهو ما يؤدي إلى الاكتظاظ وضعف المواكبة الفردية للتلاميذ. هذا الوضع لا يمكن اعتباره ظرفياً، بل هو نتيجة اختيارات تدبيرية لم تستطع التوفيق بين حاجيات المنظومة وإمكانياتها، مما يجعل الإصلاحات المعلنة تصطدم بواقع ميداني يحد من فعاليتها. فكل حديث عن جودة التعلمات يظل نظرياً في ظل أقسام مكتظة وأستاذ مثقل بأعباء تتجاوز طاقته.
أما على مستوى التحول الرقمي، فإن التقرير يكشف عن فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية. فرغم الحديث المتكرر عن إدماج التكنولوجيا في التعليم، فإن نسبة استعمال الأدوات الرقمية الحديثة تظل محدودة، وهو ما يعكس غياب رؤية متكاملة للتحول الرقمي داخل المنظومة. فالتكنولوجيا ليست مجرد وسائل، بل هي جزء من تصور جديد للتعلم، وإذا لم يتم إدماجها بشكل منهجي ومؤطر، فإنها تبقى مجرد شعارات تستهلك في الخطاب دون أثر ملموس في الواقع.
ومن بين المفارقات اللافتة التي يقدمها التقرير، تلك المتعلقة بمستوى الرضا المهني لدى المدرسين، حيث تشير المعطيات إلى نسبة مرتفعة من الرضا، رغم كل الإكراهات المسجلة. غير أن هذا المعطى، بدل أن يطمئن، يطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة هذا الرضا، إذ قد يعكس نوعاً من التكيف القسري مع واقع صعب، أو غياب بدائل مهنية، أكثر مما يعكس فعلاً جودة ظروف العمل. فحين يصبح الرضا تعبيراً عن القدرة على التحمل وليس عن جودة البيئة المهنية، فإنه يفقد دلالته الإيجابية.
في المحصلة، لا يقدم تقرير TALIS صورة تقنية محايدة فحسب، بل يكشف، لمن يقرأ ما بين السطور، عن أزمة مركبة تمس مختلف مكونات المنظومة التربوية بالمغرب. إنها أزمة تأطير، وأزمة موارد، وأزمة عدالة مجالية، وأساساً أزمة رؤية، حيث يبدو أن الإصلاحات المتعاقبة لم تستطع تجاوز منطق التدبير الظرفي نحو بناء مشروع تربوي متكامل. فبدل أن تكون المدرسة فضاء لإنتاج المعرفة وبناء الإنسان، تتحول تدريجياً إلى مجال لتدبير اختلالات متراكمة.
وعليه، فإن التحدي الحقيقي الذي يطرحه هذا التقرير لا يكمن في تحسين بعض المؤشرات أو تجميل الأرقام، بل في إعادة التفكير في موقع المدرسة داخل المشروع المجتمعي، وفي دور المدرس باعتباره فاعلا مركزيا في هذه المعادلة. لأن أي إصلاح لا ينطلق من إعادة الاعتبار للمدرس، وتأهيل بيئة عمله، وضمان تكافؤ الفرص بين المتعلمين، سيظل مجرد محاولة لتأجيل الأزمة، لا لحلها…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.