القلب الخاشع يحرّك دمع العيون

الانتفاضة // ✍️ بقلم: أبو حبيب الرحمن // (أحمد الحيت)

ترسّخت في بعض العقول أعرافٌ قاسية، حتى صار البكاء عندهم علامة ضعف، وغلب على ظنّهم أن الرجل إن دمعت عيناه فقد نقص من رجولته شيء.

وما علموا أن هذه الأحكام لم تصدر إلا من قلوبٍ قست حتى جفّت، فأنكرت ما لا تعرف، وسخرت مما لم تذق.

إن الدموع التي تخرج من قلبٍ خاشع ليست ضعفًا، بل هي قمّة القوة؛ لأنها دليل حياة القلب.

فالقلب إذا خشع رقّ، وإذا رقّ بكى، وإذا بكى صدق، وإذا صدق ارتقى.

ولقد جاء القرآن ليصحّح هذا المفهوم، فلم يجعل العمى عمى البصر، بل عمى القلوب:
﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾
فهناك قلوبٌ تبصر وهي تبكي، وقلوبٌ عمياء وهي تضحك.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم – وهو أقوى الرجال قلبًا وأثبتهم نفسًا – يقوم الليل حتى تتورم قدماه، وتفيض عيناه بالدمع، فتوقظ قطراته أمهات المؤمنين من نومهن. فهل كان ذلك ضعفًا؟

أم كان ذلك قلبًا عرف ربّه، فخضع له، وأحبّه، وخشيه؟

إن البكاء من خشية الله ليس انكسارًا، بل هو انعتاق من قسوة الدنيا، وعودة إلى الفطرة الأولى، حيث القلب حيّ، والروح متصلة، والعين شاهدة على ما في الداخل.

ويصدق الشاعر حين قال:

كُلَّ الذين بَكَوْا لله قد ضَحِكوا
واستبشروا بجميل الظنّ ما يئسوا

أعطاهمُ الله ما يرجون مكرمةً
وحُلّةً إثرَ أُخرى منه قد لبسوا

هو الكريمُ لهم مبسوطةٌ يدُه
لكي يتوبوا وللغفران يلتمسوا

يا ربّ فافتح لنا أبواب مغفرةٍ
فمن ضيائك نورًا ربّ نقتبسُ

فطوبى لعينٍ بكت من خشية الله،
وطوبى لقلبٍ رقّ بعد قسوة،
وطوبى لعبدٍ عرف طريق الرجوع.

الحمد لله الذي رزقنا لسانًا ذاكرًا، وقلبًا خاشعًا، وجسدًا على البلاء صابرًا.

التعليقات مغلقة.