الانتفاضة
في سجلات التاريخ الاقتصادي المغربي، قلما نجد قصصاً تضاهي في غرابتها وإلهامها قصة الحاج عمر التيسير، الرجل الذي عُرف في الأوساط الشعبية والمهنية بلقب “نص بلاصة”. إنها حكاية رجل عصامي انطلق من الصفر المطلق، من قسوة الجبال وشظف العيش، ليحفر اسمه في صخر الإنجازات الكبرى، متحولاً من طفل يجمع البيض في بوادي حاحا إلى واحد من أكبر أقطاب قطاع البناء والأشغال العمومية في المغرب، ومنافساً شرساً لأعتى الشركات الفرنسية.
جذور الصلابة في جبال حاحا
أبصر عمر التيسير النور في أحد دواوير منطقة تمنار، الحاضرة العريقة لقبائل حاحا بإقليم الصويرة. في تلك الجبال التي لا تعترف إلا بالصلابة، تشرب الفتى منذ نعومة أظافره قيم الصبر والجلد. لم تكن طفولته سهلة، بل كانت محفوفة بضيق الحال وقسوة الطبيعة، لكنها كانت المدرسة الأولى التي صقلت شخصيته.
في سن الثانية عشرة، أدرك الفتى أن الانتظار ليس من شيمه، فشمر عن ساعد الجد مبكراً. ابتكر فكرة بسيطة لكنها عبقرية في سياقها الزمني؛ فقد أخذ على عاتقه إعفاء نساء الدواوير من مشقة التنقل إلى الأسواق الأسبوعية. كان يتنقل مشياً على الأقدام، يجمع البيض من النساء دون أن يدفع ثمنه فوراً، بل كانت “الكلمة” والمصداقية هي رأسماله الوحيد. هكذا، بنى أولى جسور الثقة في مساره التجاري، مؤسساً لسمعة رجل لا يخلف وعده.
سر اللقب: “نص بلاصة” أو نصف تذكرة نحو المجد
قد يثير لقب “نص بلاصة” فضول الكثيرين، لكن أصله يحمل دلالة عميقة على كفاح الرجل. خلال تنقلاته المستمرة بين الأسواق والدواوير، ونظراً لصغر سنه وضعف بنيته الجسدية آنذاك، كان عمر يرفض أداء الثمن الكامل لتذكرة حافلات نقل المسافرين، مكتفياً بدفع نصف الثمن فقط مقابل شغل “نصف مقعد”.
هذا الإصرار والذكاء الفطري في تدبير مصاريفه القليلة جعل محصلي التذاكر وسائقي الحافلات يطلقون عليه لقب “عمر نص بلاصة”. وهو اللقب الذي لازمه طيلة حياته، وتحول من مجرد دعابة في محطات الحافلات إلى علامة تجارية مسجلة ترعب كبريات الشركات الأجنبية في ميدان المقاولات.
من تكسير الأحجار إلى زلزال أكادير.. نقطة التحول
لم يتوقف طموح عمر عند تجارة البيض، بل دفعه حسه العملي إلى استكشاف آفاق جديدة. انتقل للعمل في مجال استخراج وتكسير الأحجار. وحين علم بحاجة شركة فرنسية لكميات كبيرة من الأحجار المكسرة لبناء الطرق، رفض بشكل قاطع أن يشتغل لديها كعامل أجير. بدلاً من ذلك، اختار المغامرة، وأسس مقاولته الصغيرة الخاصة، مقتنياً عتاداً بسيطاً وشاحنة، ليبدأ مساره كمقاول مستقل.
جاءت نقطة التحول الكبرى في مسار عمر التيسير مع الفاجعة التي ألمت بمدينة أكادير إثر زلزال 1960. في تلك اللحظات العصيبة، لم يتردد الرجل في الانخراط بشاحنته وجرافته المتواضعة إلى جانب القوات المسلحة الملكية في عمليات إزاحة الأنقاض وأكوام الإسمنت والتراب. هذا الموقف الوطني، متبوعاً بانخراطه الفعال في جهود إعادة إعمار المدينة، جعله يحقق قفزة مالية هائلة، والأهم من ذلك، حظي باستقبال ملكي فتح له أبواباً كانت تبدو مستحيلة.
إمبراطورية البناء وثقة الحسن الثاني
بعد ملحمة أكادير، ارتفعت أسهم “نص بلاصة” بشكل صاروخي. الرجل الذي بدأ بنصف مقعد في حافلة، أصبح يشتري أسهم شركات فرنسية كبرى. اقتحم مجالات استراتيجية، ونفذ مشاريع ضخمة لصالح مؤسسات الدولة الكبرى، كالمكتب الشريف للفوسفاط، والمكتب الوطني للماء والكهرباء، والمكتب الوطني للسكك الحديدية.
تُسجل الذاكرة الهندسية المغربية لعمر التيسير إنجازات عملاقة، لعل أبرزها مساهمته الكبيرة في شق الطريق الوطنية الرابطة بين مراكش وأكادير، متجاوزاً وعورة التضاريس الجبلية المعقدة. كما ارتبط اسمه بتشييد معالم كبرى مثل المركب الرياضي الأمير مولاي عبد الله بالرباط. وكان من الرواد الأوائل الذين انفتحوا على الخبرات الدولية، حيث وظف التقنيات والسواعد الصينية في مشاريعه بالمغرب.
هذه الكفاءة والجدية جعلته يحظى بإعجاب وثقة جلالة الملك الراحل الحسن الثاني، الذي لم يكتفِ بمنحه مشاريع كبرى داخل الوطن، بل كلفه بمشاريع سيادية خارج المغرب. هكذا، امتدت إمبراطورية “نص بلاصة” إلى إفريقيا، حيث بنى الجامع الكبير في العاصمة الغينية كوناكري، والجامع الكبير في العاصمة السنغالية دكار، إلى جانب مشاريع أخرى في الغابون، ليصبح سفيراً معمارياً للمغرب في القارة السمراء.
إرث رجل فضل العمل في صمت
رغم الثروة الطائلة والمكانة المرموقة التي وصل إليها، ظل الحاج عمر التيسير وفياً لجذوره الحاحية ولطبيعته المتواضعة. اختار أن يزحف نحو القمة بعيداً عن أضواء الكاميرات وضجيج الإعلام. فضل العمل في صمت، تاركاً إنجازاته الإسمنتية والحديدية تتحدث عنه.
رحل “نص بلاصة” في هدوء، ودُفن بمقبرة الشهداء، تاركاً خلفه إرثاً مادياً ومعنوياً لا يُقدر بثمن. إن قصة عمر التيسير ليست مجرد حكاية ثراء، بل هي ملحمة مغربية أصيلة، ودرس بليغ للأجيال القادمة يؤكد أن النجاح لا يحتاج إلى وراثة أو جاه، بل إلى إرادة من حديد، ومصداقية لا تتزعزع، وإيمان بأن من يبدأ بـ “نصف مكان”، قادر على أن يتربع على القمة.
التعليقات مغلقة.