الانتفاضة // شاكر ولد الحومة
لم تكن ساكنة مراكش ولا زوارها يتوقعون أن يتحول مشروع إعادة تهيئة ساحة جامع الفنا، أحد أشهر الفضاءات السياحية في العالم، إلى نموذج صارخ لسوء التدبير والاختلالات التقنية التي باتت تثير سخط المواطنين، وتطرح تساؤلات جدية حول طريقة تدبير الشأن المحلي.
فالصور المتداولة من محيط الساحة ومنطقة محطة الكوتشي تكشف واقعاً صادماً: أرضية غير مكتملة الأشغال، حفر مكشوفة، أحجار متناثرة وسط الممرات، وبرك مائية تحولت إلى ما يشبه “شاطئاً عشوائياً” في قلب المدينة الحمراء، هذه المشاهد لا تسيء فقط لجمالية المدينة، بل تضرب أيضاً في عمق صورة مراكش كوجهة سياحية عالمية تستقطب ملايين الزوار سنوياً.
المثير للقلق أن هذه الاختلالات ظهرت مباشرة بعد انتهاء أشغال التبليط وإعادة التهيئة التي كلفت ميزانية ضخمة من المال العام، قُدِّرت بملايير السنتيمات، لكن بدل أن تعكس هذه الاستثمارات جودة في الإنجاز واحتراماً للمعايير التقنية، وجد المراكشيون أنفسهم أمام بنية تحتية مهترئة منذ لحظاتها الأولى.
الصور الملتقطة من المكان توضح حجم الخلل بجلاء:
– مياه راكدة فوق الأرضية الجديدة نتيجة ضعف أو غياب نظام تصريف فعال.
– أحجار إسمنتية متناثرة على حواف الطريق تشكل خطراً على المارة والخيول التي تجر العربات السياحية.
– تشققات وحفر في ممرات يفترض أنها أنجزت حديثاً ضمن مشروع “تحديث الفضاء”.
هذه الوضعية تضع علامات استفهام كبيرة حول دور المسؤولين المحليين في مراقبة الأشغال وتتبع تنفيذ المشاريع، وفي هذا السياق، تتجه أصابع الاتهام إلى بنت الباشا، بصفتها المسؤولة عن تدبير المنطقة، وإلى نائبها محمد الإدريسي المكلف بقطاع الأشغال، اللذين كان يفترض بهما ضمان احترام معايير الجودة وتتبع مراحل الإنجاز بدقة.
غير أن ما يظهر على أرض الواقع يعكس عكس ذلك تماماً، فالمشروع الذي كان من المفترض أن يعزز جمالية ساحة جامع الفنا ويحسن ظروف اشتغال أصحاب عربات الخيول والسياح، تحول إلى مصدر استياء واسع لدى الساكنة والمهنيين على حد سواء.
ويؤكد عدد من الفاعلين المحليين أن ما يحدث ليس مجرد “هفوة تقنية”، بل نتيجة مباشرة لضعف المراقبة وغياب المحاسبة في تدبير الصفقات العمومية، فكيف لمشروع بهذا الحجم، وفي موقع رمزي عالمي مثل ساحة جامع الفنا، أن تظهر فيه هذه العيوب مباشرة بعد انتهاء الأشغال التي كلفت 11 مليارا؟
الأخطر من ذلك أن هذه الاختلالات لا تمس فقط الجانب الجمالي، بل قد تشكل خطراً على السلامة العامة، سواء بالنسبة للمارة أو للخيول التي تجر عربات النقل السياحي المعروفة محلياً بـ”الكوتشي”.
إن ما حدث في ساحة جامع الفنا يطرح اليوم سؤالاً جوهرياً: من يحاسب المسؤولين عن هدر المال العام وتشويه صورة مدينة بحجم مراكش؟
فمدينة بتاريخ عريق ومكانة عالمية مثل مراكش لا تستحق مشاريع ترقيعية ولا تدبيراً ارتجالياً، بل تحتاج إلى حكامة حقيقية، شفافية في الصفقات، ومحاسبة صارمة لكل من يثبت تقصيره في حق المدينة وساكنتها.
ويبقى الأمل معقوداً على فتح تحقيق جدي في هذه الاختلالات، لتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات اللازمة، حتى لا تتحول مشاريع تهيئة الفضاءات العمومية إلى مجرد واجهات شكلية تخفي وراءها سوء تدبير وهدر المال العام.
التعليقات مغلقة.