نقد المجتمع من خلال قصيدة “اللطفية” للشيخ أحمد الغرابلي

الإنتفاضة // بقلم  : ذ عبد الجليل بادزي 

          نموذج آخر من الشعر الديني، لكن هذه المرة وقفة مع شاعر رأى في مجتمعه العديد من الانحرافات، فسعى إلى التنبيه إليها، وإلى لفت انتباه المسلمين إلى ضرورة التعجيل بالتوبة والإكثار من الاستغفار، حتى لا يعذبهم الله بآثامهم، ويغفر لهم ويرحمهم، وهذا الشيخ هو الحاج أحمد بن غالب الغرابلي، والغرابلي هو لقب له لأنه كان يغربل شعره وينقحه، أما حرفته فإنه كان يشتغل بحرفة الحياكة أي كان {درازا}.
هو واحد من فطاحل نظم الشعر الملحون، ينتمي إلى أسرة “أولاد الغرابلي” الذين كانوا بفاس، ومنهم من اشتغل بالقضاء، وعلى هذا فهو ينحدر من أسرة متجدرة في مجال العلم والفقه، قال عنه المرحوم محمد الفاسي أنه كان شاعرا من أهل فاس من الفحول، وكان على عهد السلطان مولاي الحسن الأول، وأدرك مولاي عبد العزيز، وشعره مشهور يتردد كثيرا على ألسنة أشياخ الكريحة الذين يستحسنوه.
كان الشيخ الغرابلي شخصا متشددا عنيدا صعب المراس، لا يتساهل ولا يقبل مهادنة، وهذا ما فتح أمامه أبواب التهاجي مع شعراء من معاصريه لعل أبرزهم “الشيخ بريسول”، و”الشيخ المدني التركماني”، هذا الأخير الذي كانت بينه وبين الشيخ مساجلات كبيرة شغلت الناس في مجالسهم، والفقهاء في منابرهم لمدة طويلة، وذلك حول “الإيمان والشهادة”، وسنعود إلى هذا الموضوع في مناسبة أخرى بحول الله تعالى.
وقد بلغ من شهرة شاعرنا أن ذكرته العديد من المصادر والمراجع التي وثقت لفترات من تاريخ المغرب، إلى جانب أبحاث لمهتمين بمجال النقد والأدب، وعلى رأسهم، الدكتور عباس الجراري، والحاج أحمد سهوم، ومحمد الفاسي، والأستاذ عبد الرحمن الملحوني، والأستاذ عبد الله شقرون، وغيرهم.
له قصائد طنانة يبدو التجديد واضحا فيها بشكل كبير، لكنه برع في الهجاء وأجاده، يتوفر على ديوان شعري كبير أصدرته أكاديمية المملكة المغربية بإشراف وتقديم المرحوم الدكتور عباس الجراري، وذلك سنة 2012م.
وقد اخترنا في هذه الورقة تقديم هذا الشيخ الكبير من خلال رائعة من روائعه وهي قصيدة “اللطفية” التي انطلق فيها من واقع أحوال الناس في مجتمعه، فانتقد الوضع ما شاء له الانتقاد، ثم رجع لطلب اللطف بالناس من طرف العلي الخبير، يقول الشيخ في حربة قصيدته هاته:                                                                                                                                                         يا لطــــف الله الخـافي *** الطف بنا فـــي ما اجــــرات به الأقــــدار                                                                      ولعل من بين الملاحظات التي نستخلصها من معاني الحربة، أن الشيخ قد ضاق ذرعا بما يراه من مناكر في المجتمع، وخاف أن يجري عليهم عقاب الأمم السابقة من الله تعالى، فلجأ إلى طلب اللطيف متعللا بكون ما عليه مجتمعه من انحرافات ماهي إلا أمور كتبت عليهم وجرت بها المقادير.
ثم يسترسل الشيخ في طلب عفو المولى أن يكفي مجتمعه شر ما في الوقت، وأن يرحم ضعف الإنسان الذي أدى به إلى معصية الخالق، فهو سبحانه وتعالى قادر على ذلك، فهو لا يرجو سوى رحمة الله تعالى لمجتمعه، وعذره في ذلك أنه رحمان رحيم لا يؤاخذ بالذنب، ولو كان مؤاخذنا لوجدنا كلنا عصاة، وأن ضعف إيماننا سلط علينا الطغاة ينكلون بنا، ويحقروننا، حتى أصبحنا نتمنى الموت ولا نجد إليها سبيلا.
ويقر الشيخ أن فضل الله سبحانه وتعالى عم جميع الموجودات، وأن حكمه نافذ فيها كلها، لذلك وجب ألا يتعدى أحد من المخلوقات الحدود بممارسة المحرمات، وإلا سيجد نفسه عند مماته ويوم الحشر في العذاب الشديد.
وبعد ذلك يوجه نقدا عنيفا للمجتمع وأفراده، مؤكدا على أننا قد جاهرنا وفاخرنا بارتكاب المحرمات، وأننا أصبحنا غافلين عن الموت الذي يعتبر المآل الأخير للإنسان، مذكرا بأن علامات الساعة بدأت تظهر تباعا حتى شوهدت عيانا، فلولا فضل الله علينا ورحمته بنا لأهلكنا بأنواع البلاء، لكنه سبحانه كريم جواد وغفور رحيم.
ثم يصل الشيخ ذروة غضبه مما يجري داخل مجتمعه، مصورا إياهم فساقا لم تعد معاشرتهم تطاق، فزمنهم زمن النفاق، زمن الإخلال بالعهود والمواثيق، فلا صديق بينهم تحسن مجالسته، لم يعودوا متمسكين بدينهم، لذلك قلت البركة في أرزاقهم، حيث قطعوا صلة الرحم، ولم تعد لهم شفقة ولا رحمة لفقيرهم، أما أغنياؤهم، فقد عاثوا في الدنيا فسادا، وانطبق عليهم قول الله تعالى: “وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا”.
ويدعو بعد ذلك أفراد المجتمع أن يتأملوا جيدا حالهم الذي هم عليه، فلم يتبعوا أوامر الله سبحانه وتعالى، ولم يجتنبوا عصيانه، بل ساروا في الطريق التي رسمها لهم الشيطان، حتى وجدوا أنفسهم على حافة قبورهم، وقد انصرم أجلهم في اللهو والعبث.
إن الناس في انتظار دائم للانتقال للدار الآخرة، ويعرفون أن ذلك هو مصيرهم الحتمي، لكنهم مع ذلك لم يستعدوا جيدا لهذه اللحظة، ولم يعدوا لها زادا يحسنوا به لقاء ربهم، فقلوبهم تميل دائما للطمع، والكسب، وجمع الأموال، دون التفاتة منهم لذلك المسكين الضعيف الذي أصبح يعيش فقرا مدقعا، ذليلا مهانا بين أقرانه، في الوقت الذي نجد فيه صاحب المال محمودا محترما بينهم رغم فسقه وفجوره، لا يذكرونه إلا بالجميل من الأعمال، لكنه في النهاية وبعد موته، يقول الشيخ سيكون قبره عبارة عن حفرة من الجحيم، ويصح في حقه المثل السائر: “اشْحَالْ مَنْ قبَّة تَتْزَارْ أوُ مُولَاهَا فالنَّارْ”.
لذلك يرى الشيخ أن الواقع يتطلب منا عدم الانقطاع عن الاستغفار، وأن نبادر بالتوبة لله تعالى توبة نصوحا، ونتبع بعدها السيئة بالحسنة لكي تمحوها، ونتوجه لله تعالى بقلب سليم عله يعافينا في ديننا وأبداننا ويصلح أحوالنا، إنه على كل شيء قدير.
بعد هذا لابد من الإشارة إلى أن هذا النص وما تضمنه من أحكام مستفز بشكل كبير، الشيء الذي أثار حفيظة مجموعة من الأشياخ، وقاموا بالرد عليه إما بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وبالنسبة لنا نقول بأن موقف الشيخ الغرابلي من الناس والمجتمع في هذه القصيدة كان قاسيا ومتشددا، وكان عليه أن يعلم أنه ليس مكلفا بمحاكمة الناس والحكم عليهم، وتقبيح أفعالهم بهذا الشكل المهين، فرحمة الله وسعت كل شيء، ويكفي أن نسمع عبارة “إن الله معنا” كما جاءت في القرآن الكريم، عندما قال الله تعالى في سورة التوبة الآية 40 “إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا…”، فهذه الكلمة تحيي القلوب، ومهما اشتدت اللحظة، وأظلمت الحياة، فنحن مأمورون بأن نزرع الطمأنينة في النفوس، إذ ليس من سمات ديننا الحنيف أن يغلق الأبواب في وجوه الخلائق، وأن يعلن الهلاك، وأن يزرع اليأس باسم المنطق والواقعية، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم”، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا”، فالحق لا ينقطع، قد يخفث صوته أحيانا، ولكن العاقبة دوما لأهله، وفي ذات المعنى يقول شيخ الملحون الحاج محمد النجار:                                                                                      لازال الخير فلسلام + ولازالت منهم نسبة + سال أو سقسي تصيب قومان ألا يوعابو.                                                فالخير في أمة الإسلام باق إلى يوم القيامة، وكل نظرة سوداوية للمجتمع، وكل حكم متشدد عليه، فهو يعارض أصول الشريعة الإسلامية، قال تعالى: “قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله” صدق الله العظيم. وإليكم نص القصيدة.                                                        قصيدة: “اللطفية”
نظم:”الشيخ الحاج أحمد الغرابلي”
الحــربــة:
يا لطــــف الله الخـافي *** الطف بنا فـــي ما اجــــرات به الأقــــدار
الـــدخـــــول:
يا نعــــم الحــي الكافــــي *** اكفينا شـــر الـوقت ما نشـــــوفه اغيار
يا مــول الفضل الــــوافي *** فضـــلك ما يتنهى ولا تحــــده ستــــار
عجــل بـــدواك الشافــــي *** وارحم ضعف الأمة الغارقة في لوزار
قــــادر تبلــــي وتعافــــي *** وتنســـخ الشـــدة بالعفــــو كمـا فالخبار
القسم الثاني:
ارحمنا يا رحمـــــان ** يا قـــديم لحسان ** لو واخــــذت العصيـان ** كلنــــا عاصييــــــن
لــولا ضعف الإيمان ** ما يجور الزمان ** ويـــوليـــــوا الطغيــان ** بالقهــــر جايــــرين
والمسكيــــن الهيمان ** فالشقى ولمحـان ** إتمنــى المـــــوت عيان ** ما وجــــدها فحيــن

من هــــم الـــــوقت امفافي *** ما يفــرغ للصلاة فـــوقتهـــا شي انهار
تايـــه فتلـــول وافيـــافــــي *** ترى يعثـر تـرى يطيـــح بين لــــوعار
القسم الثالث:
يا من فضلك موجود ** عــم جمع الوجود ** ولا تنقص من جــــود ** للشقـــي والسعيــــد
أنــــت الله المعبـــود ** الحكيـــم الـــودود ** حكمك دايـــم منفـــود ** فالــــدنـي والبعيــــد
من يتعـدى الحـــدود ** يـوم ضيق اللحود ** يلقـــى فعله وإعـــــود ** فالعــــذاب الشديـــد

واصحـاب النهـــج الصافي *** مأواهــــم الجنـة وحــــورهـــا والأثمار
شــلا نحكــــي فـــــوصافي *** والمحـروم الشقي إذوق صهـــد الجمار
القسم الرابع:
بحنـــا بالمحـــرمات ** والمعاصي اقوات ** وقلوب الناس اضحات ** غافلــة على الموت
العــلامـــات انبـــات ** اللــورى ما خفات ** واقــــوات الظلمــــات ** والمكــر والبهـوت
قــوم صمت واعمات ** غـــرتهـم الحياة ** تبعــه حـب الشهــوات ** فوق سحت السحوت

لـــــــــو راد الله إحافـــــي *** يهلكنـا بنــــوايع البــلا إعــــــم القطـــار
لكــــن بالجـــــود إكافــــي *** بجاه عين الـــــرحمة إحــــد جمع لشـرار
القسم الخامس:
ما باقــي مـــا يعشـــاق ** في ازمان النفاق ** لا عهــــد لا ميثــــاق ** توجــده لا صــديق
الـــدين اضعاف تحقاق ** فــي جميع الآفاق ** وأهله فقــده لـــرفاق ** ما بقى مـــــا يليـق
الوقت صعاب وضياق ** واعمات لســـواق ** لا بــــركة فـــأرزاق ** خارجيــن الطـريق

والــدم مــــن دمه جافـــــي *** وأهـــل المال احــراجه على قبيط العمار
نحكــــي ما رات اشـــوافي *** ما يرفـــق غني بالضعيف خـــوه أو جار
القسم السادس:
اتأمــــل يــــا إنســـــان ** ما اظهـر فالزمان ** أنـــــا وأنــــــت للآن ** فالقفـــــر تايهيــن
مـــــا جنبنــا عصيـــان ** ما فعلنا حســـــان ** مــــا خالفنا شيطـــان ** ما احسنـــا يقيــن
العمر مضى خســـران ** وانصرف فالحيان ** شوف الشيب إلى بان ** إفكــــد الــراحلين

ويـــــن اسلافك وسلافـــــي *** سكنه تحت اغمــوق الثرى غاب الخبار
سعـــد اللي جـــــرحه رافي *** يخطا وإثــــوب سريع من صميم لصيار
القسم السابع:
ما قـدمنا للــــرحيــــل ** مـــا سلكنـا سبيـــل ** وقلوب الناس اتميل ** للطمـــــع والحيــال
عاد المسكيـــن اذليــل ** دون علــة اعليـــل ** والفاجر في تفضيل ** عنــد قـــوم الضلال
لــو كان إكـــون بخيل ** تمدحه أهــل الجيل ** وإقوله مـــرء عقيل ** مـــن خيار الفضال

والعالــم كـــــل اخــــــوافي *** يخفظ مـــن رفعــــوه العبـــاد مهما يكبار
يـــوجــــد مصباحه طافـــي *** أقبره حفـــرة من الجحيـــم فيها احشــــار
القسم الثامن:
لازمنـــــا الإستغفـــار ** فالضيا والسحــــار ** بالــــذل والإحتقــار ** والخشــوع الكثيــر
وانتـــــــوبه للقهـــــار ** كافـــــة بالجهــــار ** ونقـــوله يــــا جبـار ** جبـــر اللي كسيــر
امحــي عنــــا الأوزار ** يا عليــم الســــرار ** فضلك شلا يحصار ** جــود عنـا بخيـــر

وانهايــت رمــــز اتحافـــي *** الله إعافينـــا جميــــع مـــــن ذا الأضرار
بجاه النبـــــي الـــــوافـــــي *** محمـــد تاج المرسلين سيــــد الأبــــــرار
يا راوي خـــــوذ اقـــــوافي *** ذكــــر بها ناس العقـــــول بطيب الأذكار
والناظــــم ما هـــــو خافــي *** الحاج أحمــــد الغــرابلي افصيح الأشعار

التعليقات مغلقة.