“إذكاء الوعي” وإماتة الحقوق: رقصة الوداع الحكومي على أنغام الشعارات

0

الانتفاضة/ مصطفى ادلال

في مشهدٍ بات مألوفاً مع اقتراب صافرة نهاية الولاية الحكومية، خرجت علينا وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي، ومعها “كتابة الدولة المكلفة بالإدماج الاجتماعي” في خطوة استباقية، ببلاغٍ احتفالي يعلن عن إطلاق “الحملة الوطنية الثانية لإذكاء الوعي بالإعاقة”. شعارٌ رنّان، وكلمات مُنمّقة تدعو لتغيير “النظرة”، كأنّ مشكلة الأشخاص في وضعية إعاقة في هذا الوطن هي “نظرة” المجتمع، وليست غياب المرافق، وتعطيل التوظيف، وتجميد المراسيم!
زوبعة في فنجان التوقيت الضائع
إن المتأمل في توقيت إطلاق هذه الحملة -وهي في أيامها الأخيرة من عمر الولاية الحكومية- لا يملك إلا أن يبتسم بمرارة. هي ذاتها الطقوس التي تُمارس كلما ضاقت الآفاق وظهر “فشل الحصيلة”؛ وتحويل القضايا الجوهرية إلى “زوبعات إعلامية”.
بينما ينتظر المواطن في وضعية إعاقة من الدولة “أفعالاً” تنقذه من البطالة والهشاشة، تخرج الوزارة لتعلمه كيف “يغير نظرتنا”. كأنّ المسؤولين ينسون –أو يتناسون– أن الشمس لا تُغطى بالغربال؛ فالوعي الذي يطالبون به لا يُشبع جائعاً، ولا يُوظف معطلاً، ولا يوفر الخدمات الضرورية لمواطن يعاني ويلات الإقصاء.


مفارقات قانونية: “الوعي” بالاتفاقيات مقابل “الجهل” بالمراسيم
يستند البلاغ إلى مرجعيات دولية، وعلى رأسها “الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة” (لاسيما المادة 8 المتعلقة بإذكاء الوعي، والمادة 27 المتعلقة بالعمل والتوظيف، والمادة 20 المتعلقة بالتنقل الشخصي)، ومقتضيات قانونية (القانون الإطار 97.13). وهنا تكمن النكتة الأكثر إيلاماً: استحضار النصوص القانونية للتغني بها في “بلاغ”، بينما تبقى المراسيم التطبيقية لهذه القوانين رهينة أدراج مكاتب الوزارة.
إن الحديث عن “إذكاء الوعي” يتناسى أن:
* بطاقة الشخص في وضعية إعاقة لا تزال “فكرة” مؤجلة، رغم مرور سنوات على النص القانوني المنظم لها.
* المباراة الموحدة لا تزال أشبه بـ “قطرة في محيط”، حيث لا تزال المناصب المخصصة لا ترقى لـ 10% من طموحات هذه الفئة، بل وتتلاشى أمام هول الحاجة.
* البحث الوطني الثالث يُطلق كـ “موضة” إحصائية جديدة، بينما تقبع نتائج البحوث السابقة في الأرشيف دون أن تُترجم إلى سياسة عمومية واحدة ملموسة.
سريالية “الإنقاذ” في الوقت بدل الضائع
إن محاولة الوزارة الظهور بمظهر “المنقذ” في الأمتار الأخيرة من عمر الولاية الحكومية ليست سوى محاولة لبيع “الوهم البصري”. إن الأشخاص في وضعية إعاقة ليسوا بحاجة إلى “دروس في الوعي”، بل هم مواطنون بـ “كامل الحقوق” يكفلها لهم الدستور، ويخنقها تقاعس المؤسسات.
إن الوعي الحقيقي الذي نريده ليس وعياً يُصاغ في “قصر المؤتمرات”، بل هو:
* وعي بالمسؤولية: بترجمة الميزانيات إلى خدمات صحية وتعليمية.
* وعي بالكرامة: بتسريع إخراج البطاقة الخاصة وتنزيل المراسيم التنظيمية.
* وعي بالمواطنة: بفتح أبواب التشغيل على مصراعيها، لا إغلاقها خلف شعارات “الإدماج الهش” للرفع من مستوى عيش ومكانة هذه الفئة.
أيها المسؤولون.. “نغيرو النظرة ديالنا”؟ لا، بل “غيروا أنتم أسلوب تدبيركم”. كفوا عن مخاطبة المجتمع كأن العيب فيه، فالمجتمع واعٍ جداً بحقوق هذه الفئة، ومدرك تماماً للفرق بين “حملة إعلامية” وبين “سياسة عمومية” تخلق واقعاً جديداً، وتجسد التوجيهات السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، الرامية إلى العيش الكريم لجميع المواطنين، لا “التسويف” الذي تفرضه المكاتب المكيفة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.