قتل المرشد: بين الحرب النفسية وسوء تقدير الشعوب

الانتفاضة  // عبد العزيز بن صالح 

حين يخرج رئيس الولايات المتحدة أو رئيس وزراء إسرائيل ليعلن مقتل المرشد الأعلى في إيران، فإننا لا نكون أمام خبر عابر في شريط عاجل، بل أمام فعل سياسي محسوب، يدخل في صميم إدارة الصراع. فالأخبار في زمن المواجهات ليست مجرد نقل للوقائع، بل أدوات ضغط، واختبار أعصاب، وصناعة انطباعات.

من الناحية البديهية، يصعب تصور أن شخصية بحجم علي خامنئي، في دولة تعيش منذ عقود على إيقاع التهديد والعقوبات والاستهداف، يمكن أن تبقى في “متناول العدو” كما لو أنها بلا حماية استثنائية. الدول التي تبني عقيدتها الأمنية على فرضية الخطر الدائم تطوّر، بالضرورة، منظومات متعددة الطبقات للحماية: دوائر أمنية متداخلة، سرية في التنقل، خطط طوارئ للتعاقب القيادي، وإدارة إعلامية دقيقة لأي طارئ.

لذلك، فإن إعلانا من هذا النوع – سواء كان صحيحا أم جزءا من معركة إعلامية – لا يمكن فصله عن سياق الحرب النفسية. ففي علم الاستراتيجيات، يُستخدم الخبر أحيانا كسلاح يسبق الرصاصة. الهدف قد لا يكون تأكيد واقعة، بل إرباك الخصم، دفعه إلى رد فعل متسرع، أو اختبار تماسكه الداخلي.

ثم هناك رهان آخر غالبا ما يرافق مثل هذه الإعلانات: الرهان على الشارع. الفرضية تقول إن غياب رأس النظام قد يدفع الجماهير إلى الخروج احتفالاًأو احتجاجا، بما يخلق لحظة انهيار داخلي. لكن هذه القراءة تفترض أن المجتمع كتلة واحدة تنتظر الشرارة، وتتجاهل تعقيد البنية الاجتماعية والسياسية الإيرانية.

إيران ليست مجتمعا أحاديا ، بل فسيفساء من التيارات: إصلاحيون، محافظون، قوميون، متدينون، علمانيون. غير أن التجربة التاريخية تشير إلى أن المجتمعات ذات الإرث الحضاري العميق تميل، في لحظات التهديد الخارجي، إلى الالتفاف حول الدولة، لا إلى الانقضاض عليها. هذا ما يسميه علماء السياسة بـ“تأثير الالتفاف حول العلم”، حيث تتحول الهوية الوطنية إلى مظلة تتقدم على الخلافات الداخلية.

لقد شهدت إيران خلال الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات توحدا داخليا رغم التباينات. وحتى في أوج الاحتجاجات الحديثة، ظل العامل الخارجي عاملا حاسماًد في إعادة ترتيب الأولويات لدى قطاعات واسعة من الشعب. فالإحساس بالسيادة والكرامة الوطنية يتقدم، غالبا على الحسابات السياسية اليومية.

من هنا، فإن إعلانا عن مقتل المرشد – إن لم يكن مؤكدا بوقائع دامغة – قد يخدم هدفين: أولا، ممارسة ضغط نفسي على مؤسسات الدولة؛ وثانيا، اختبار رد فعل الشارع. لكن الرهان على انفجار داخلي تلقائي قد يكون تبسيطا مفرطا لمعادلة أكثر تعقيدا.

السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان بالإمكان استهداف رأس النظام، بل ماذا يعني ذلك للدولة ذاتها. هل يؤدي غياب القيادة إلى انهيار البنية، أم إلى إعادة إنتاجها بشكل أكثر صلابة وربما أكثر تشددا؟ التاريخ السياسي يقول إن الأنظمة التي تتعرض لصدمة خارجية كبرى قد تميل إلى الانغلاق والتصلب بدل التفكك.

في زمن الصراعات الكبرى، لا تُقاس الأحداث بحجم الضربة فقط، بل بمدى فهم طبيعة المجتمعات التي تُوجَّه إليها. فالشعوب ليست معادلات رياضية بسيطة، ولا تُدار بردود فعل متوقعة سلفا وبين الحرب النفسية وسوء تقدير العمق التاريخي للأمم، تتحدد نتائج الرهانات.

التعليقات مغلقة.