تقلب المزاج في رمضان: كيف يختبر الصيام عقلنا وروحنا؟

الانتفاضة // نور الهدى العيساوي

مع حلول شهر رمضان، يلاحظ كثيرون تغيرات حادة في مزاجهم: من عصبية مفاجئة وسرعة انفعال، إلى شعور بالإرهاق الذهني وكأن كل ساعة صيام تمتص طاقتهم شيئًا فشيئًا. ما قد يراه البعض مجرد مزاج متقلب أو ضعف في التحمل، له جذور أعمق بكثير، تجمع بين العلم والدين، بين معادلات الجسم الدقيقة واختبار الروح.علميًا، الجسم يعتمد على ما يُعرف بالساعة البيولوجية، التي تنظم النوم والاستيقاظ وإفراز الهرمونات.

خلال رمضان، يتغير نمط النوم بشكل كبير بسبب السحور وصلاة الفجر، فتتأثر إفرازات هرمون الميلاتونين المسؤول عن النوم العميق، ما يؤدي إلى نوم متقطع وضعف التركيز، ويجعل السيطرة على الانفعالات أكثر صعوبة.

في الوقت نفسه، ينخفض مستوى السكر في الدم مع مرور ساعات الصيام الطويلة، ما يقلل من إنتاج السيروتونين، ناقل عصبي مرتبط بالهدوء والرضا النفسي، فتزداد حساسية الدماغ للتوتر والضغط. ويضاف إلى ذلك اضطراب إفراز الكورتيزول، هرمون التوتر والطاقة، الذي يغير من قدرة الجسم على التعامل مع الإجهاد اليومي.
قليل من النوم أو النوم المتقطع لا يؤثر فقط على الجسم، بل على الدماغ نفسه. تقل فعالية القشرة الجبهية الأمامية المسؤولة عن ضبط الانفعالات، بينما يزداد نشاط اللوزة الدماغية المسؤولة عن الانفعال والغضب، ما يرفع احتمالية ردود الفعل السريعة والعصبية المفرطة.

الدراسات أظهرت أن الحرمان من النوم يمكن أن يزيد الاستجابة العاطفية بنسبة تصل إلى 60٪ مقارنة بالحالة الطبيعية، وهو ما يفسر لماذا قد يشعر الصائم بالتوتر أو الانفعال تجاه أبسط الأمور. حتى الجفاف الناتج عن الامتناع عن الماء لساعات طويلة يلعب دوره، إذ يؤثر على التركيز ويقلل من توازن الأملاح اللازمة لنقل الإشارات العصبية.
لكن هذه التغيرات الجسدية والنفسية ليست مجرد عيوب أو ضعف في التحمل؛ من منظور ديني، هي جزء من اختبار الصبر والضبط النفسي والروحي. الصيام في الإسلام لا يقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب، بل هو تدريب للعقل والروح على السيطرة على الانفعالات، وتحمل الضغوط، وتوجيه النفس نحو الهدوء والتوازن. القرآن الكريم يذكر المؤمنين بالثبات والتحمل: «وَاصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا». كل لحظة شعور بالعصبية أو الانفعال هي فرصة للتدريب على ضبط النفس، وفهم أن الصبر ليس مجرد شعور، بل ممارسة روحية وذهنية متصلة بالهدف الروحي للصيام.
عادة، يحتاج الجسم إلى أسبوع إلى أسبوعين للتكيف مع نمط الصيام الجديد. مع مرور الأيام، يبدأ الدماغ في استخدام مصادر طاقة بديلة مثل الأجسام الكيتونية، ويستعيد توازن الهرمونات، ما يقلل العصبية ويزيد القدرة على الصبر. الفهم العلمي لهذه الظاهرة يتيح للصائمين التعامل مع مزاجهم بوعي، بينما يذكرهم البعد الديني بأن كل تحدٍ جسدي أو نفسي هو جزء من اختبار الصبر والروح.
وبهذه الطريقة، يتحول شهر رمضان من مجرد تجربة جسدية إلى رحلة متكاملة، حيث تتشابك العقلانية العلمية مع الروحانية الدينية. يصبح الصائم أكثر وعيًا بتغيراته النفسية والجسدية، وأكثر قدرة على السيطرة على انفعالاته، مستفيدًا من كل ساعة صيام كفرصة لإعادة ضبط النفس والتقرب إلى الله. هنا، لا يُنظر إلى تقلبات المزاج على أنها ضعف، بل كمرآة تعكس دقة توازن الجسم وعظمة الاختبار الروحي الذي يقدمه رمضان لكل من يختبر صبره وعزيمته.

التعليقات مغلقة.