بين المجاهرة والإكراه: ماذا يعني أن تعلن مايسة أنها لا تصوم؟

الانتفاضة // عبد العزيز ين صالح

أعلنت مايسة سلامة أنها لا تصوم رمضان منذ عشر سنوات. تصريح بسيط في ظاهره، لكنه فجّر جدلا يتجاوز شخصها بكثير. تدخل أحمد عصيد مدافعا عن حقها في التعبير، معتبرا أن الغضب الموجه إليها يكشف نزعة لاحتكار المجال العام باسم الدين. وبين الموقفين، ينكشف سؤال أعمق: ما حدود الحرية الفردية في مجتمع يُعرّف نفسه دستوريا بأنه دولة إسلامية؟
القضية ليست في الإفطار ذاته. آلاف المغاربة يفطرون في المجال الخاص، لأسباب مختلفة، دون إعلان أو استعراض. المجتمع يعلم ذلك ضمنا ويتعايش معه في شكل من أشكال “التسامح الصامت”. الإشكال يبدأ حين ينتقل الفعل من الخاص إلى العلن، ومن السلوك الفردي إلى الرسالة الرمزية.
أولاً: من الفعل الشخصي إلى الموقف العمومي
الإفطار في ذاته اختيار شخصي، لكن الإعلان عنه فعل تواصلي. حين يُقال “أنا لا أصوم”، فالمعنى لا يبقى فرديا صرفا؛ إنه يصبح موقفا من العرف السائد، ومن المنظومة القيمية التي تؤطر المجال العام. لذلك جاء الرد قويا، لأن الأمر لم يُقرأ كسلوك خاص، بل كإشارة رمزية.
هنا ينقسم التأويل:
هل هو دفاع صريح عن حرية الضمير؟
أم تحدٍّ مقصود لوجدان جماعي يرى في رمضان شعيرة جامعة؟
أم محاولة لإعادة فتح نقاش قانوني مؤجل؟
النية تبقى أمرا داخليا، لكن الأثر اجتماعي.
ثانياً: هل يحتاج المجتمع إلى معرفة من يصوم ومن لا يصوم؟
الجواب عمليا: لا.
لكن المجتمعات لا تتفاعل مع الوقائع فقط، بل مع الرموز. في مجتمع يشكل فيه الصيام بعدا روحيا وجماعيا، يتحول إعلان الإفطار إلى حدث رمزي. ليس لأنه يغيّر الواقع، بل لأنه يضع المختلف في مواجهة العلن.
الفارق كبير بين حرية تُمارَس في المجال الخاص، وحرية تتحول إلى خطاب. الأولى تعني الاختيار، والثانية تعني إعلان الاختلاف. وهنا يبدأ الاحتكاك.
ثالثاً: القانون بين النص والتحول الاجتماعي
القانون الجنائي المغربي يتضمن فصلا يجرّم الإفطار العلني في رمضان لمن عُرف باعتناقه الإسلام. هذا النص يعود إلى ستينيات القرن الماضي، في سياق اجتماعي مختلف.
لكن يجب التمييز بين:
الفعل العلني المادي.
والتصريح المجرد.
القانون يعاقب الفعل لا الرأي. ما لم تتحول التصريحات إلى دعوة مباشرة لخرق القانون، فإن توصيفها كتحريض يبقى محل نقاش تأويلي.
السؤال الأهم:
هل تطور المجتمع أسرع من تطور النص القانوني؟
وهل وظيفة القانون حماية النظام العام أم فرض نموذج أخلاقي واحد؟
رابعاً: المجال العام… لمن؟
جوهر السجال يكمن هنا.
الرؤية المحافظة ترى أن المجال العام يعكس هوية الأغلبية الدينية، وأن المجاهرة بما يخالفها تمس السلم الرمزي للمجتمع.
أما الرؤية الحقوقية فترى أن المجال العام ليس ملكا لعقيدة بعينها، بل فضاء قانوني مشترك، وأن حماية الأغلبية لا تعني مصادرة حق الأقلية في التعبير.
التوتر إذن ليس بين “صائم ومفطر”، بل بين تصورين للدولة:
دولة ترعى هوية دينية جامعة.
ودولة تحمي التعدد ولو كان صادما.
خامساً: بين الفتنة وحرية الضمير
وصف ما حدث بالفتنة فيه مبالغة، ما دام لم يقترن بتحريض مباشر أو دعوة إلى صدام. لكنه أيضا ليس فعلا محايدا تماما؛ هو استفزاز ثقافي واعٍ أو غير واعٍ، يختبر حدود التعايش.
المشكل الحقيقي ليس في وجود مفطرين، بل في إدارة الاختلاف.
هل نحتمله في صمت؟
أم نقبله كخطاب؟
أم نرفضه باعتباره مساسا بالهوية؟
سادساً: الخيط الرفيع
هناك خيط رفيع ينظم العلاقة بين الحرية الفردية والحرية العامة.
إذا قُطع هذا الخيط، تحولت الحرية إلى فوضى رمزية، أو تحولت الهوية إلى وصاية قسرية.
المعادلة الدقيقة تقتضي:
احترام مشاعر الأغلبية.
حماية حرية الضمير.
تحديث النقاش القانوني بعيدا عن منطق التخوين.
الاعتراف بأن المغرب ليس كتلة دينية صماء، ولا فضاء علمانيا خالصا، بل تركيب تاريخي خاص.
خاتمة
إعلان مايسة لا يهدد هوية الأمة، لكنه يكشف هشاشة النقاش حول الحرية في مجتمع يتغير بسرعة. والغضب منها لا يحمي الدين، كما أن السخرية من حساسية المجتمع لا تبني حداثة.
المسألة أعمق من شخص أو تصريح. إنها سؤال عن شكل الدولة التي نريدها، وعن حدود التعايش بين القناعة الفردية والوجدان الجماعي.
وفي هذا السؤال تحديدا، لا يفيد الصراخ. يفيد فقط العقل البارد.

التعليقات مغلقة.