دور رئيس الحكومة في الوساطة بين هيئات المحامين ووزارة العدل: قراءة دستورية وقانونية

الانتفاضة/  الأستاذ خالد الفتاوي (محام بهيئة مراكش)

تطرح التحولات التشريعية التي تهم مهنة المحاماة، خصوصًا عند بروز خلافات حول مشاريع قوانين منظمة للمهنة، تساؤلات مشروعة حول مدى إمكانية تدخل رئيس الحكومة للقيام بدور الوسيط أو الضامن للحوار المؤسساتي بين هيئات المحامين ووزارة العدل. ويقتضي الجواب على هذا السؤال العودة إلى النص الدستوري وتأطيره القانوني الدقيق.

أولاً: الإطار الدستوري لاختصاصات رئيس الحكومة

ينص الفصل 89 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011 على أن:

“تمارس الحكومة السلطة التنفيذية، وتعمل تحت سلطة رئيسها على تنفيذ البرنامج الحكومي وضمان تنفيذ القوانين…”

يفيد هذا النص أن رئيس الحكومة يتمتع بسلطة تنسيقية عليا داخل الجهاز التنفيذي، ويشرف على انسجام العمل الحكومي بين مختلف القطاعات، بما فيها وزارة العدل.

كما ينص الفصل 92 على أن المجلس الحكومي، الذي يرأسه رئيس الحكومة، يتداول في مشاريع القوانين والسياسات العمومية، مما يجعل أي مشروع قانون يهم تنظيم مهنة المحاماة خاضعًا لهذا الإطار التداولي الحكومي.

ويضيف الفصل 90 أن رئيس الحكومة يمارس السلطة التنظيمية، مما يمنحه سلطة توجيهية داخل حدود الاختصاص التنفيذي.

ثانياً: حدود هذا التدخل في ضوء مبدأ فصل السلط

ينص الفصل 107 من الدستور على أن:

“السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية.”

ورغم أن مهنة المحاماة تعد مكونًا أساسيًا من منظومة العدالة، فإنها ليست جزءًا من السلطة القضائية، بل مهنة حرة مستقلة منظمة بقانون خاص يصدر عن السلطة التشريعية.

وعليه، فإن تدخل رئيس الحكومة لا يمكن أن يكون ذا طبيعة قضائية أو تحكيمية بالمعنى الدقيق، بل هو تدخل سياسي-مؤسساتي يهدف إلى ضمان الاستقرار والانسجام داخل السلطة التنفيذية، وفتح قنوات الحوار مع الهيئات المهنية المعنية.

ثالثاً: الأساس الدستوري للحوار والتشاور

كرس الفصل 12 من الدستور مبدأ الديمقراطية التشاركية، ونص على إشراك الهيئات المهنية والمجتمع المدني في إعداد السياسات العمومية.

ومن ثم، فإن فتح حوار مؤسساتي بين الحكومة وهيئات المحامين حول مشروع قانون منظم للمهنة ينسجم تمامًا مع التوجهات الدستورية، بل يعد تجسيدًا عمليًا لها.

رابعاً: الطبيعة القانونية لدور رئيس الحكومة

يمكن تحديد هذا الدور في النقاط التالية:
• سلطة تنسيقية بين مكونات الحكومة.
• صلاحية سياسية لاحتواء الخلافات داخل الجهاز التنفيذي.
• إمكانية الدعوة إلى حوار مؤسساتي يهدف إلى التوافق التشريعي.
• ضمان استمرارية المرافق العمومية، ومن ضمنها مرفق العدالة.

غير أن رئيس الحكومة لا يملك:
• سلطة الحلول محل البرلمان في سن القوانين.
• سلطة التدخل في اختصاص القضاء.
• فرض تسوية خارج المساطر الدستورية.

خاتمة

إن دولة الحق والقانون تقوم على التوازن بين السلط وعلى الحوار المؤسساتي الرصين. وفي هذا السياق، يمكن لرئيس الحكومة، استنادًا إلى مقتضيات الدستور، أن يضطلع بدور الوسيط السياسي والمؤسساتي بين وزارة العدل وهيئات المحامين، دون أن يمس ذلك باستقلال المهنة أو بصلاحيات البرلمان أو القضاء.

ويبقى الحل الدستوري الأمثل في مثل هذه الحالات هو الاحتكام إلى الحوار، والتشاور، واحترام الضوابط القانونية التي تؤطر العلاقة بين السلطات والمؤسسات المهنية.

التعليقات مغلقة.