عودة الرفاق…هل يملأ التقدم والاشتراكية فراغ اليسار…؟

الانتفاضة

على إثر المخاض الذي تعرفه الساحة السياسية، بسبب اقتراب الاستحقاقات المقبلة، يشهد المشهد الحزبي المغربي في الآونة الأخيرة دينامية لافتة داخل صفوف اليسار، عنوانها الأبرز: هل يتحول حزب التقدم والاشتراكية إلى وعاء تجميعي لشتات العائلة اليسارية؟

تواتر أخبار التحاق مناضلين من مشارب مختلفة بالحزب – جماعات وأفرادا – ليس مجرد صدفة تنظيمية، بل مؤشر سياسي يستحق القراءة.

عودة محمد بودرة إلى “بيت الرفاق” بعد تجربة مع حزب الأصالة والمعاصرة انتهت بما يشبه الطلاق السياسي، خاصة بعد إعادة ترتيب التوازنات الداخلية وتراجع ما كان يُعرف بالجناح الريفي، تعكس تحولات أعمق من مجرد انتقال فردي. الأمر ذاته ينطبق على ما راج بشأن التحاق القيادي الاتحادي المخضرم عبد الهادي خيرات، أحد وجوه حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية التاريخية، والذي صرّح بوجود تقاطع رفاقي وإيديولوجي مع حزب التقدم والاشتراكية.

هذه التحركات تطرح سؤالا جوهريا: هل نحن أمام إعادة تشكل قطب يساري براغماتي، أم مجرد إعادة انتشار داخل الخريطة نفسها؟

من أزمة اليسار إلى براغماتية “الرفاق”

ليس سرا أن اليسار المغربي يعيش منذ سنوات حالة تشتت تنظيمي وتراجع انتخابي، وتآكل رمزي لدى جزء من الرأي العام. الصراعات الداخلية، وانفصال الخطاب عن التحولات الاجتماعية، وعدم القدرة على إنتاج قيادة جامعة، كلها عوامل ساهمت في هذا الوضع. في المقابل، حافظ حزب التقدم والاشتراكية على حد أدنى من التماسك، واستثمر موقعه كحزب “مؤسساتي” يجيد التموضع داخل منطق الدولة دون أن يقطع خيوطه المرجعية.

البراغماتية هنا ليست تهمة، بل توصيف لأسلوب سياسي يقوم على:

المشاركة في الحكومات المتعاقبة مع الاحتفاظ بخط نقدي محسوب،

تجنب الصدامات الحادة مع مراكز القرار،

الاشتغال من داخل المؤسسات بدل خطاب القطيعة.

فرضية “ملء مقعد اليسار” في قطار الدولة

في السياق المغربي، لا يشتغل الحقل الحزبي بمعزل عن تصور الدولة لتوازناته. دائما هناك “مقاعد” موزعة داخل قطار التدبير السياسي: يمين إداري، وسط تقني، إسلامي مؤسساتي، ويسار إصلاحي. السؤال هو: من يملأ مقعد اليسار القابل للتدبير؟

يُنظر إلى الأمين العام نبيل بنعبد الله باعتباره شخصية سياسية أكثر قبولا لدى دوائر القرار مقارنة بخصومه داخل اليسار التقليدي، وعلى رأسهم إدريس لشكر.

بنعبد الله راكم تجربة وزارية وبرلمانية، ونجح في تقديم حزبه كفاعل “مُعارض مشارك” لا يهدد التوازنات الكبرى. في حين أن الاتحاد الاشتراكي، رغم رمزيته التاريخية، ظل أسير توترات داخلية وخطاب متذبذب بين المعارضة والمشاركة.

من هذا المنظور، قد يبدو حزب التقدم والاشتراكية مؤهلا لاحتلال موقع “اليسار المقبول”، أي يسار يُطمئن الدولة ويمنحها في الآن ذاته غطاء تعدديا وتوازنا رمزيا.

هل تكرّ السبحة؟

غير أن تحويل الحزب إلى وعاء جامع ليس أمرا آليا. ثمة تحديات حقيقية:

هل يملك الحزب القدرة التنظيمية على استيعاب الوافدين دون أن يتحول إلى مجرد محطة انتقالية؟

هل يستطيع تجديد خطابه ليخاطب جيلا جديدا من الناخبين؟

هل سيبقى إطارا براغماتيا محدود الطموح، أم يتحول إلى قوة اقتراحية تُعيد تعريف اليسار اجتماعيا واقتصاديا؟

إن موجة الالتحاقات – إن تأكدت وتوسعت – قد تمنح الحزب زخما سياسيا ورمزيا، لكنها لن تكون ذات معنى ما لم تُترجم إلى مشروع واضح: يسار اجتماعي يدافع عن العدالة المجالية، ويطرح بدائل في قضايا الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، ويتفاعل مع تحولات المجتمع المغربي.

في النهاية، قد لا يكون السؤال: هل يصبح حزب التقدم والاشتراكية بيت اليسار؟

بل: هل اليسار نفسه مستعد للتخلي عن ذاكرة الانقسام، والقبول ببراغماتية تُعيده إلى دائرة التأثير بدل البقاء في هامش الشكوى؟

ربما تكون المرحلة المقبلة اختبارا حقيقيا: إما أن يتحول الحزب إلى نقطة تجميع تعيد رسم الخريطة، أو يبقى مجرد ملاذ مرحلي لمن ضاقت بهم خرائط أحزابهم الأصلية.

التعليقات مغلقة.