حسناء الإتحاد 

الانتفاضة  /////// ميمونة الحاج داهي 

كثُر الحديث عن التي تهوى الاتحاد والاتحاد يهواها. كأن العلاقة بين حسناء أبو زيد وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ليست علاقة تنظيم بعضوته، بل سيرة بيت بابنته التي كبرت في أروقته، وتشربت لغته، وحفظت عن ظهر قلب أناشيده الأولى.

في رؤيتي للسياسة، لا يستقيم عندي اختزال الانتماء في بطاقة، بل أقرأه كسردية مشتركة. والاتحاد، بما راكمه من ذاكرة نضالية، لم يكن إطارا عابرا في مسار حسناء؛ كان مدرسة في الجرأة، في مساءلة السلطة، وفي الإيمان بأن العدالة الاجتماعية ليست شعارا انتخابيا بل أفقا تاريخيا. لذلك بدا حضورها داخله منسجما، طبيعيا، كأنها إحدى جُمله التي كُتبت بحبر أوضح من غيره.

غير أن الأحزاب، حين تتقدم بها السنون، يصيبها ما يصيب الكيانات الحية: تعبٌ من الصراعات، حرصٌ زائد على التوازن، ميلٌ إلى الاقتصاد في الحدة و قد تموت و تتحول إلى جثة تُكرم بالدفن. و هنا يبدأ التوتر الخفي بين الروح الأولى وضرورات اللحظة. الأصوات التي نشأت على حرارة البدايات تجد نفسها أحيانا أمام برودة الحسابات.

حسناء، في صورتها العمومية، لم تكن سياسية تقتات من الصمت. كانت تميل إلى تسمية الأشياء بأسمائها، وإلى رفع السقف حين ترى السقف واطئا. في البرلمان، لم تتعامل مع الكلمة كزينة خطابية، بل كأداة تفكيك ومساءلة. هذا النوع من الحضور يُنعش الحزب حين يكون في طور الصعود، لكنه يربكه حين ينشغل بترتيب بيته الداخلي.

ولأن السياسة ليست وفاء عاطفيا خالصا، يُطرح اليوم سؤال الإمكان: هل ما يزال الاتحاد، في صيغته الراهنة، قادرا على احتضان هذا النفس النقدي بالقدر نفسه؟ وإن كان الحديث عن انتقال محتمل نحو حزب التقدم والاشتراكية يتردد، فذلك لا يعني بالضرورة قطيعة مع الفكرة، بقدر ما يعكس بحثا عن فضاء تتنفس فيه القناعة دون حرج.

دائما أنطلق من منظوري الشخصي للسياسة لأفسر الأحداث، و بالنسبة لي لا تُدان الشخصيات لأنها غادرت أم لأنها بقيت، بل تُقرأ خياراتها ضمن سياقها. الحزب الذي كان ذات يوم حاضنة للأصوات الجريئة مطالب بأن يسائل نفسه: هل ما زال يحتملها؟ والسياسية التي نشأت على الإيمان بفكرة كبرى مطالبة بأن تسأل: أين يمكن لهذه الفكرة أن تؤتي ثمارها؟

كثر الحديث عن حسناء و انتقالها، لأن العلاقة بينها و بين الإتحاد لم تكن يوما سطحية. لكن ما وراء اللغط أعمق: إنه سؤال التحول داخل الأحزاب التاريخية، وسؤال المسافة بين الاسم وما يمثله في الوجدان. فإن بقيت حسناء في الاتحاد، فستبقى تذكيرا بروحه الأولى. وإن ارتحلت، فلن تكون قد هجرت تلك الروح، بل ربما حملتها معها إلى مكان يليق بها.

يمكن القول بعبارة مكثفة تختزل المشهد حسناءُ الاتحاد لم تتبدّل ملامحها الفكرية ولا نبرتها المبدئية، غير أن اتحادَ حسناء لم يَعُد هو الاتحاد الذي عرفت، ولا الإطار الذي كان يسع اندفاعها كما كان..و لن تعود العلاقة صحية لا بإعلان القطيعة، ولا بتأبيد الولاء، بل بقراءة المسافة بين الفكرة وإطارها، حين تتسع أو تضيق..و حسناء أبو زيد فكرة قائمة بحد ذاتها.

التعليقات مغلقة.