صحافة التعري 

الانتفاضة

الحرب الجنسية في الإعلام المغربي: مقاربة سوسيولوجية في تحوّل أدوات الصراع الرمزيالحرب الجنسية في الإعلام المغربي: مقاربة سوسيولوجية في تحوّل أدوات الصراع الرمزي.

شهد الحقل الإعلامي في المغرب خلال السنوات الأخيرة تحوّلا ملحوظا في طبيعة الصراعات داخله، حيث انتقل التنافس من مستوى الاختلاف المهني والسياسي إلى مستوى التشهير الشخصي ذي الطابع الجنسي والأخلاقي. تهدف هذه الورقة إلى تحليل الظاهرة باعتبارها شكلا من أشكال “العنف الرمزي”، واستكشاف محدداتها البنيوية، وسياقها الرقمي، وعلاقتها بالثقافة الاجتماعية المحافظة، مع مساءلة فرضية “الاستيراد” مقابل “الصناعة المحلية”.

أولاً: الإطار النظري – من العنف الرمزي إلى اقتصاد الفضيحة

يمكن فهم توظيف الاتهام الجنسي داخل الصراع الإعلامي باعتباره شكلا من أشكال العنف الرمزي، أي استخدام أدوات معنوية لإلحاق ضرر اجتماعي ومعنوي بالخصم دون اللجوء إلى عنف مادي. في هذا السياق، يتحول الجسد من كيان بيولوجي إلى رأسمال رمزي قابل للتدمير.

كما أن التحول الرقمي أدخل الإعلام في ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد الفضيحة”، حيث أصبحت الإثارة والصدمة عناصر مركزية في جذب الانتباه. وتؤكد تجارب عالمية – من بينها ما رافق صعود حركة Me Too movement – أن القضايا ذات الطابع الجنسي قادرة على إعادة تشكيل التوازنات داخل الحقول المهنية، سواء في سياق كشف الانتهاكات الفعلية أو في سياق توظيف الاتهام كسلاح في صراعات النفوذ.

غير أن الفرق الجوهري يكمن بين:

كشف مبني على تحقيق مهني وأدلة موثقة،

وتشهير مبني على التلميح والإيحاء وتصفية الحسابات.

ثانياً: السياق المغربي – خصوصية الثقافة والسمعة

تكتسب الاتهامات الأخلاقية في المجتمع المغربي قوة مضاعفة نظرا لمركزية مفهوم “السمعة” في البناء الاجتماعي. فالطعن في السلوك الشخصي قد يكون أكثر تدميرا.

من الطعن في الكفاءة المهنية أو الموقف السياسي.

في هذا السياق، يصبح الاتهام الجنسي أداة ذات فعالية عالية للأسباب التالية:

سهولة الانتشار الرقمي: المنصات الاجتماعية تضخّم المحتوى الصادم.

ضعف آليات التحكيم المهني: محدودية فاعلية مؤسسات الضبط الذاتي.

الاستقطاب السياسي الحاد: انقسام الحقل الإعلامي إلى معسكرات متقابلة.

الهشاشة الاقتصادية للمقاولات الإعلامية: ما يعزز اللجوء إلى الإثارة كمورد للانتباه.

هكذا تتلاقى العوامل الثقافية والاقتصادية والتقنية لإنتاج بيئة خصبة لاستعمال “الحرب الجنسية” كأداة صراع.

ثالثاً: فرضية الاستيراد مقابل فرضية الصناعة المحلية

تُطرح أحيانا فرضية أن توظيف الجنس في الصراع الإعلامي مستورد من نماذج خارجية استُعملت فيها قضايا أخلاقية كوسيلة ابتزاز أو اغتيال معنوي. من الناحية النظرية، لا يمكن استبعاد تأثيرات عابرة للحدود في عالم معولم.

غير أن التحليل البنيوي يُظهر أن الشروط المحلية كافية لإنتاج الظاهرة دون الحاجة إلى تفسيرها حصريا بعوامل خارجية. فحتى إن وُجد تأثير خارجي، فإنه لا يعمل إلا عبر:

هشاشة داخلية،

قابلية ثقافية،

وفراغ مؤسساتي.

وعليه، فإن السؤال الأهم ليس: هل هي مستوردة؟

بل: لماذا أصبحت فعّالة في هذا التوقيت بالذات؟

رابعاً: النتائج المترتبة على الحقل الإعلامي

إن استمرار هذا النمط من الصراع يؤدي إلى:

تآكل الثقة العامة في الصحافة.

اختلاط الحدود بين التحقيق المشروع والتشهير.

إحجام كفاءات مهنية عن الانخراط في فضاء يُنظر إليه كساحة تصفية حسابات.

تحويل النقاش العمومي من قضايا الشأن العام إلى تتبع الحياة الخاصة للفاعلين.

وبذلك يفقد الإعلام وظيفته الأصلية كوسيط معرفي ورقابي، ويتحول إلى فضاء صراع شخصي.

الخلاصة

تكشف ظاهرة “الحرب الجنسية” في الإعلام المغربي عن أزمة متعددة الأبعاد: أزمة أخلاق مهنية، وأزمة ثقة، وأزمة بنية اقتصادية، في سياق رقمي يضاعف أثر التشهير ويختزل النقاش في الإثارة.

ليست المسألة مجرد انحرافات فردية، بل تعبير عن تحوّل في أدوات الصراع داخل الحقل الإعلامي. واستعادة التوازن تتطلب:

تعزيز آليات الضبط الذاتي،

تحديث مواثيق الأخلاقيات المهنية،

ترسيخ ثقافة الفصل بين الحياة الخاصة والأداء العام،

وتطوير وعي نقدي لدى الجمهور.

فالإعلام الذي يجعل من الجسد ساحة حرب رمزية، ينتهي إلى تعرية ذاته قبل أن يعرّي خصومه.

التعليقات مغلقة.