لغروس بين بنكيران وأخنوش

الانتفاضة

لم يكن محمد لغروس مدير نشر جريدة العمق يعتقد وهو يجلس أمام الكاميرا في هذه الليالي الباردة ، أن دفاعه عن نفسه سيكلفه أكثر مما توقع.

خرج الرجل ليرد على بنكيران، فإذا به يضع يده في النار التي ظل يتجنب لهيبها لسنوات: نار العلاقة الملتبسة بين المال والإعلام، بين الشراكة التجارية والاستقلالية التحريرية، بين أن تكون صحفياً محترماً وأن تظل مجرد “لقمة سائغة” في معركة لا تعرف الرحمة.

قال لغروس إن جريدته تتعامل مع شركات تابعة لعزيز أخنوش، كما تتعامل مع مئة وخمسين مؤسسة أخرى، وإن هذا “طبيعي” و”مشروع”. لكنه نسي أن يقول للجمهور كيف يمكن لصحيفة تتعامل مع رئيس الحكومة أن تضمن حيادها في تغطية أخباره، وكيف تبني جداراً نارياً يفصل بين الإعلان الذي يدفع ثمنه أخنوش وبين المقال الذي يكتبه صحافي ينتقد سياسات الرجل. ذلك السؤال ظل معلقاً في الهواء، يبحث عن جواب لم يأتِ.

وهنا تكمن المفارقة في هذا المشهد، فبنكيران، الذي اعتاد أن يكون صاحب الكلمة الفصل في خطابه الشعبي، والذي وصفه لغروس بأنه “يحمل كلاشينكوف ويطلق النار في كل الاتجاهات”، وجد نفسه فجأة خارج اللعبة. طلب من لغروس منصة حصرية لبث فيديوهاته، فرفض الأخير خوفاً من أن تتحول جريدته إلى مجرد بوق دعائي.

لكن الرجل نفسه الذي رفض أن يكون منصة لبنكيران، قبل أن يكون شريكاً تجارياً لرئيس الحكومة. فالفرق بين الرفض والقبول هو الفرق بين السياسي والمالي، بين الظهور الإعلامي والتمويل الخفي، بين أن تكون تابعاً بالكلمة وأن تكون تابعاً بالدرهم.

والأكثر درامية في هذه الحكاية، أن لغروس حاول تبرير تناقضه باقتباس كلمات بنكيران نفسه: “أخنوش ولد الناس كما قلت أنت سابقاً”. استعار الرجل سلاح خصمه ليدافع به عن علاقته بمنافسه، وكأن التاريخ السياسي للرجل يمكن أن يكون ضماناً أخلاقياً للعلاقة المالية معه. هذا الالتباس بين السياسي والأخلاقي، بين ما قاله بنكيران بالأمس وما يفعله لغروس اليوم، هو بالضبط ما يجعل المشهد مثيرا.

ثم حين قال لغروس عبارته التي كلماته : “لسنا لقمة سائغة، ونحن أكبر من أن تبلعنا حنجرته”. كان يقصد بنكيران بالطبع، لكن الكلمات بدت وكأنها موجهة إلى الجميع، إلى كل من يعتقد أن الصحافة المغربية يمكن أن تكون لقمة سائغة في فم السياسة أو المال. والمشكلة أن الرجل، في لحظة دفاعه عن كرامته، نسي أن يثبت للجميع أنه فعلاً أكبر من أن تبلعه أي حنجرة، سواء كانت حنجرة بنكيران أو محفظة أخنوش.

إن الجمهور الذي تابع الفيديو وجد نفسه في موقف لا يُحسد عليه، من يصدق؟ بنكيران الذي يتهم بالتشهير وأكل لحوم الناس؟ أم لغروس الذي يدافع عن شراكاته التجارية بكلمات تبدو وكأنها تبرير أكثر منها تفسيراً؟ أم أخنوش الذي لا يظهر في الصورة لكن ظله يغطي الجميع، الممول الصامت، الشريك الهادئ، الرجل الذي لا يتكلم لكن دراهمه تتكلم نيابة عنه؟

ربما يكون الدرس الغريب في هذه الرد، أن لغروس خرج ليرد على اتهام بالتبعية السياسية، فانتهى به الأمر إلى الاعتراف الضمني بالتبعية المالية. ليس عيباً أن تتعامل الصحيفة مع رجال الأعمال، وليس حراماً أن تقبل الإعلانات من شركات تابعة لرئيس الحكومة. لكن العيب كل العيب، أن تختلط الأوراق إلى درجة يصبح معها من المستحيل تمييز الصحفي من رجل الأعمال، والناشر من السياسي، والمحتوى التحريري من الإعلان المدفوع.

في النهاية، يبقى المشهد معلقاً بين ثلاثة رجال، لكل منهم حكايته وكل منهم يبحث عن مخرج. بنكيران الذي اعتاد أن يكون صاحب الكلمة النارية، وجد نفسه هذه المرة في موقع المتهم بالتشهير. ولغروس الذي أراد أن يدافع عن كرامته، وجد نفسه في موقع المدافع عن علاقات لا تستحق الدفاع. وأخنوش الذي لم يتكلم بكلمة واحدة، ظل المنتصر الوحيد، الرجل الذي لا يحتاج إلى كلام، لأن دراهمه تتكلم نيابة عنه في كل مكان.

التعليقات مغلقة.