الفيدرالية تدعو إلى مخطط استعجالي لإنقاذ الصحافة الجهوية بالأقاليم الجنوبية

0

الانتفاضة/ ابراهيم أكرام

أثارت الاحتجاجات التي نفذتها المقاولات الصحفية بالجهات الصحراوية أمام مقر وزارة التواصل بالرباط نقاشا واسعا حول واقع الصحافة الجهوية بالمغرب، وحول مستقبل المقاولات الإعلامية الصغرى والناشئة التي تواجه تحديات اقتصادية ومهنية متزايدة. وفي هذا السياق، أعلنت الفيدرالية المغربية لناشري الصحف انخراطها الكامل في هذه المبادرة الاحتجاجية، مؤكدة دعمها المطلق للمطالب التي رفعتها المقاولات المحتجة، وتضامنها مع فروعها التي بادرت إلى تنظيم هذا الترافع الميداني.

وجاء موقف الفيدرالية في وقت تتصاعد فيه شكاوى الفاعلين في قطاع الصحافة الجهوية من غياب التواصل الحكومي، ومن إحجام وزارة التواصل عن فتح قنوات للحوار والتهدئة مع المعنيين بالأمر، رغم حساسية الوضع الذي تعيشه هذه المقاولات ودورها الحيوي في نقل الأخبار المحلية وتعزيز النقاش العمومي داخل الجهات.

وترى الفيدرالية المغربية لناشري الصحف أن الصحافة الجهوية، خاصة في الجهات الصحراوية الثلاث، ليست مجرد نشاط اقتصادي أو مهني محدود التأثير، بل تمثل رافعة أساسية لتعزيز التعبئة الوطنية وتقوية الجبهة الداخلية في مواجهة التحديات المرتبطة بقضية الوحدة الترابية للمملكة. وتؤكد أن هذه المقاولات الإعلامية لعبت على مدى سنوات دورا مهما في مواجهة السرديات المعادية للمغرب، وفي إبراز الواقع التنموي والاجتماعي والثقافي للأقاليم الجنوبية.

وفي بيانها، ذكرت الفيدرالية بأنها كانت من أوائل الهيئات المهنية التي ساهمت، منذ ما يقارب عشرين سنة، في بناء هيكلة المقاولات الصحفية بالجهات الصحراوية، وذلك بدعم من السلطات العمومية آنذاك. كما واكبت تنظيم هذه المقاولات وتأهيلها مهنيا وتدبيريا، وظلت تنبه الحكومات المتعاقبة إلى أهمية مواصلة هذا الورش وتعزيزه باعتباره جزءا من المشروع الوطني للتنمية والإدماج الإعلامي.

غير أن الفيدرالية تعتبر أن الحكومة الحالية ووزارة التواصل أقدمتا على تقويض العديد من المكتسبات التي تحققت في هذا المجال، من خلال غياب رؤية واضحة لدعم الصحافة الجهوية، وعدم الالتزام بإجراءات عملية من شأنها إنقاذ المقاولات المتضررة. كما انتقدت ما وصفته بعقلية الإقصاء التي حكمت بناء منظومة الدعم العمومي الوطني، معتبرة أنها صيغت بطريقة تستبعد المقاولات الصحفية الصغرى وتقضي على التعددية الإعلامية.

وتعيش العديد من المقاولات الصحفية الجهوية أوضاعا اقتصادية صعبة نتيجة تراجع سوق الإشهار، وارتفاع تكاليف الطباعة والتوزيع، وضعف الموارد المالية، إضافة إلى التحولات الرقمية التي فرضت تحديات جديدة على القطاع. وفي الجهات الصحراوية، تتضاعف هذه الصعوبات بسبب محدودية السوق المحلية وبعد المسافات الجغرافية، ما يجعل الحاجة إلى دعم عمومي منصف ومستدام أكثر إلحاحا.

كما أشار البيان إلى أن وزارة التواصل تركت مقاولات الصحافة بهذه الجهات تواجه أزماتها دون الوفاء بالوعود الحكومية التي قدمت لها خلال السنوات الأخيرة. وترى الفيدرالية أن هذا الوضع يعكس غياب تقدير حقيقي للدور الوطني والتنموِي الذي تضطلع به الصحافة الجهوية، خصوصا في مرحلة تتطلب تعزيز الثقة في المؤسسات ودعم الإعلام المهني القادر على مواجهة الأخبار الزائفة والحملات المغرضة.

وفي هذا الإطار، جددت الفيدرالية المغربية لناشري الصحف نداءها إلى السلطات العمومية من أجل التدخل العاجل لإنقاذ مقاولات الصحافة الجهوية، ولا سيما في الجهات الصحراوية الثلاث. ودعت إلى فتح حوار جدي ومنتج مع المعنيين ومنظماتهم المهنية التمثيلية، بهدف بلورة مخطط استعجالي يضمن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والتدبيري لهذه المقاولات، ويمكنها من مواصلة أداء رسالتها الإعلامية والوطنية.

وترى الفيدرالية أن أي إصلاح حقيقي لقطاع الصحافة يجب أن يقوم على مبادئ الإنصاف والتعددية والدعم المتوازن بين المؤسسات الكبرى والمقاولات الصغرى والناشئة. فالإعلام الجهوي، بحسبها، يشكل أحد أعمدة الديمقراطية المحلية والتنمية الترابية، لأنه الأقرب إلى انشغالات المواطنين اليومية، والأقدر على نقل قضاياهم ومطالبهم إلى الرأي العام وصناع القرار.

ومن جهة أخرى، عبرت الفيدرالية عن امتعاضها من الطريقة التي تعاملت بها وزارة التواصل مع المحتجين والمتضامنين معهم، معتبرة أن إغلاق أبواب الوزارة في وجوههم يعكس عجزا عن الإقناع وافتقارا إلى الحس السياسي المطلوب في تدبير الملفات الاجتماعية والمهنية الحساسة. وأكدت أن الحوار والتواصل يظلان السبيل الأمثل لمعالجة الأزمات وتفادي مزيد من الاحتقان داخل القطاع.

ورغم حدة الانتقادات الموجهة إلى الوزارة، شددت الفيدرالية على استعدادها الدائم للمساهمة في إيجاد حلول موضوعية وجدية، وعلى انفتاحها على كل مبادرة من شأنها خدمة المصلحة العامة وتحسين صورة البلاد وتعزيز مكانة الصحافة الوطنية. كما دعت إلى إعمال تعاون مثمر بين السلطات العمومية والمهنيين، يقوم على الثقة المتبادلة واحترام التزامات كل طرف.

وتأتي هذه التطورات في سياق أوسع يعرفه قطاع الصحافة بالمغرب، حيث يواجه تحديات بنيوية تتعلق بالتحول الرقمي، وتراجع الموارد المالية، وتغير عادات استهلاك الأخبار، إضافة إلى الحاجة إلى تحديث القوانين والآليات الداعمة للقطاع. غير أن الفيدرالية تؤكد أن مواجهة هذه التحديات لا يمكن أن تتم عبر إضعاف الصحافة الجهوية أو تهميش المقاولات الصغرى، بل عبر تمكينها من شروط الاستمرار والتأهيل والتنافسية.

وفي ظل استمرار الاحتجاجات والمطالب المهنية، يبقى الرهان المطروح اليوم هو مدى قدرة الحكومة ووزارة التواصل على التقاط الرسائل الصادرة عن الفاعلين في القطاع، والانخراط في حوار مسؤول يفضي إلى حلول عملية ومستدامة. فالصحافة الجهوية، خاصة في الأقاليم الجنوبية، ليست مجرد قطاع مهني يطالب بالدعم، بل مكون أساسي من مكونات المشهد الوطني، وعنصر فاعل في ترسيخ التنمية والدفاع عن القضايا الكبرى للمملكة.

ومن هنا، فإن إنقاذ هذه المقاولات لا يندرج فقط في إطار معالجة أزمة اقتصادية ظرفية، بل يدخل ضمن رؤية استراتيجية أشمل تهدف إلى حماية التعددية الإعلامية، وتعزيز الحضور المهني للصحافة الجهوية، وضمان استمرارها في أداء أدوارها الوطنية والتنموية في مختلف ربوع المملكة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.