الانتفاضة
في زمن تتسارع فيه التحولات التي يعرفها المشهد الإعلامي، وتزداد فيه التحديات التي تواجه الصحافة المهنية، يظل تكريم أصحاب الأقلام الجادة رسالة أعمق من مجرد احتفاء عابر، لأنه يعكس الاعتراف بقيمة الكلمة الصادقة، ويكرس ثقافة الوفاء لمن جعلوا من الصحافة رسالة لخدمة المجتمع والدفاع عن الحقيقة. ومن هذا المنطلق، اختارت الجمعية المغربية النموذجية للصحافة أن تجعل من الاحتفال بالذكرى السابعة والعشرين لتربع صاحب الجلالة الملك محمد السادس على عرش أسلافه الميامين مناسبة لتكريم عدد من الوجوه الإعلامية، ضمن لقاء فكري وتكريمي تحت شعار “الإعلام والثقافة في خدمة التنمية والمواطنة”، في مبادرة جمعت بين الاعتراف بالعطاء المهني وفتح نقاش جاد حول مستقبل الإعلام المغربي.
ولم يكن هذا الموعد مجرد حفل لتوزيع الشهادات والدروع التقديرية، بل تحول إلى منصة للنقاش المسؤول حول واقع الإعلام الجهوي، وما تواجهه من تحديات مهنية وأخلاقية، في ظل الثورة الرقمية، وسرعة انتشار الأخبار الزائفة، وتراجع المعايير المهنية أمام سطوة المحتوى السريع.
وفي هذا السياق، أكد محمد السعيد مازغ، أن الصحافة ليست مهنة للبحث عن الشهرة أو حصد المتابعين، وإنما رسالة قوامها المصداقية والنزاهة والاستقلالية، معتبرا أن ثقة المجتمع في الإعلام لا تبنى إلا بالالتزام الصارم بأخلاقيات المهنة واحترام حق المواطن في الحصول على معلومة دقيقة ومتوازنة. كما شدد مراد بولرباح على ضرورة حماية الصحفيين من كل الممارسات التي تستهدف استقلاليتهم أو تحاول النيل من رسالتهم، فيما دعا نبيل الخافقي إلى مراجعة السياسات العمومية الخاصة بالإعلام الجهوي، بما يضمن توفير بيئة مهنية عادلة وقادرة على تأهيل المقاولات الإعلامية. أما المخرج السينمائي محمد أوماعي، فقد أبرز الدور التكاملي بين الإعلام والثقافة باعتبارهما رافعتين أساسيتين للتنمية ونشر الوعي، بينما أكدت مداخلات عبد الحي نافعي وعبد الرحيم عاشر أن إصلاح الإعلام مسؤولية جماعية تستوجب احترام القانون وأخلاقيات المهنة وتغليب المصلحة العامة.

وبعد هذا التكريم، حرص محمد مولاي السعيد مازغ على توجيه رسالة شكر عبر صفحته الرسمية على موقع فيسبوك، عبر فيها عن امتنانه للجمعية المغربية النموذجية للصحافة، معتبرا أن هذه الالتفاتة الكريمة تتجاوز بعدها الرمزي لتشكل وساما معنويا ومسؤولية جديدة تدفعه إلى مواصلة الدفاع عن قيم الصحافة الجادة. وأكد في تدوينته أن هذا التكريم لا يمثل نهاية مسار، وإنما تجديد للعهد مع رسالة الصحافة وأخلاقياتها، موضحا أن سنوات العمل المهني كانت مليئة بالتحديات والتضحيات، لكنها كانت أيضا مصدر فخر كلما استطاعت الكلمة الصادقة أن تترك أثرا إيجابيا لدى القارئ، وتسهم في نشر الوعي وخدمة الصالح العام، بعيدا عن الإثارة الرخيصة أو اللهاث وراء نسب المشاهدة.
وفي المقابل، لم يخف مازغ أسفه لما آلت إليه بعض الممارسات الدخيلة على القطاع، معتبرا أن ما يسيء إلى الصحافة اليوم ليس النقد أو المنافسة، وإنما تحول بعض المنابر إلى فضاءات لخدمة المصالح الضيقة، بعيدا عن الضوابط المهنية وأخلاقيات العمل الصحفي، وهو ما يسيء إلى تضحيات الصحفيين المهنيين الذين اختاروا طريق الاستقلالية والنزاهة رغم كل الإكراهات. وأضاف أن هذا التكريم لا يخص شخصه فقط، بل هو تكريم لكل صحفي، ولكل مراسل، ولكل مصور صحفي ينزل يوميا إلى الميدان حاملا قلمه أو كاميرته بحثا عن الحقيقة، مؤمنا بأن الكلمة والصورة وجهان لرسالة واحدة، أساسها خدمة المجتمع، وصون حق المواطن في الوصول إلى خبر صحيح ودقيق ومتوازن.
واختتم مازغ رسالته بتوجيه الشكر إلى الجمعية المغربية النموذجية للصحافة، مؤكدا أن تكريم الإعلاميين وهم ما يزالون يؤدون رسالتهم المهنية يحمل دلالة إنسانية ومهنية كبيرة، لأنه يكرس ثقافة الاعتراف بالكفاءات، ويبعث برسالة وفاء لكل من جعل من الكلمة الصادقة مسؤولية وطنية وأخلاقية قبل أن تكون مهنة.
وهكذا، لم يكن هذا اللقاء مجرد محطة احتفالية، بل شكل مناسبة لتجديد النقاش حول مستقبل الصحافة المغربية، والتأكيد على أن الإعلام المهني سيظل أحد الأعمدة الأساسية لبناء مجتمع واع، وأن تكريم نسائه ورجاله هو في جوهره تكريم لقيم الحقيقة والنزاهة والاستقلالية، ورسالة تؤكد أن الكلمة الصادقة ستظل أقوى من كل محاولات الإساءة إلى المهنة أو التقليل من دورها في خدمة الوطن والمواطن.
التعليقات مغلقة.