الانتفاضة / إلهام أوكادير
ليست كل العبارات التي ترد في الخطابات الملكية تمر مرور الكرام، فبعضها يبدو وكأنه يحمل بين كلماته رسالة تتجاوز اللحظة، وتدعو إلى التوقف عندها أكثر من مرة، ففي خطاب العرش ليوم أمس بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لتربع صاحب الجلالة الملك محمد السادس على عرش أسلافه المنعمين، استوقفت عبارة بعينها الكثير من المتابعين، حين وصف جلالته الاستقرار السياسي والمؤسسي بأنه “عملة نادرة لا تقدر بأي ثمن”.
قد تبدو العبارة للوهلة الأولى مجرد توصيف لواقع يعيشه المغرب، لكنها في الحقيقة تفتح الباب أمام أكثر من قراءة. فهل كان الخطاب يكتفي بتعداد مكاسب المملكة؟ أم أنه كان يوجه الأنظار إلى قيمة قد لا يشعر بها المواطن إلا عندما يفقدها؟ وهل أراد الملك أن يذكر بأن ما يعتبره البعض أمرا عاديا، أصبح في نظر دول كثيرة هدفا صعب المنال؟
الجواب قد يكون كامنا في السياق الذي جاء فيه الخطاب، حيث أن العالم اليوم ليس هو العالم الذي عرفناه قبل سنوات قليلة: أزمات اقتصادية متلاحقة، وحروب تشتعل في أكثر من منطقة، وتوترات جيوسياسية تعيد رسم التحالفات، إلى جانب تهديدات إرهابية، وهجمات سيبرانية، وأزمات مناخية باتت تفرض نفسها على أجندة الدول، فوسط هذا المشهد، لم يعد الاستقرار مجرد وضع طبيعي، بل تحول إلى قيمة استراتيجية تتنافس عليها الدول، كما أصبح الشرط الأول لأي مشروع تنموي أو اقتصادي.
من هنا، يمكن فهم اختيار الملك أن يضع الأمن والاستقرار في صدارة الحديث عن منجزات المملكة، عندما قال: “إن أكثر ما يبعث على الفخر والإعتزاز، هو ما ينعم به المغرب من أمن واستقرار، وما يتميز به عمل مؤسسات الدولة من نجاعة وفعالية”.
هذه العبارة لا تتحدث فقط عن الحاضر، بل تختصر مسارا كاملا، وكأن الرسالة تقول إن التنمية لا يمكن أن تزدهر في بيئة مضطربة، وأنّ المشاريع الكبرى تحتاج قبل التمويلات والبرامج إلى أرضية مستقرة، وإلى مؤسسات تشتغل بانسجام، وتضمن إستمرارية الدولة مهما تغيرت الظروف.
لكن اللافت أكثر، أن الخطاب لم يقدم الأمن باعتباره نجاحا أمنيا فقط، بل أعاد تعريفه بشكل أوسع، حيث لم يعد الأمر مرتبطا بحفظ النظام أو مواجهة الجريمة والإرهاب فحسب، وإنما أصبح جزءا من معادلة اقتصادية وتنموية متكاملة، وكأن الملك يدعو إلى النظر إلى الأمن باعتباره استثمارا طويل الأمد، وليس مجرد سياسة ظرفية.
ولعل هذا ما يفسر قوله إن “الاستقرار اليوم هو العامل الأساسي في معادلة التنمية، وهو الرأسمال الاستراتيجي الذي يعتز به المغرب” فاختيار عبارة “رأسمال استراتيجي” ليس اختيارا عابرا، لأن الرأسمال هو ما تبني عليه الدول مستقبلها، وتحمي به مكتسباتها، وتستند إليه في مواجهة الأزمات.
وقد يتساءل البعض: لماذا أصبح الاستقرار رأسمالا في حد ذاته؟
الجواب يبدو أوضح عندما ننظر إلى المشهد الدولي، فهناك دول تمتلك ثروات طبيعية هائلة، لكنها تعاني من عدم الاستقرار، الأمر الذي جعل جزءا كبيرا من إمكاناتها معطلا، وفي المقابل، هناك دول لا تتوفر على الموارد نفسها، لكنها استطاعت أن تحقق قفزات اقتصادية لأنها وفرت بيئة يسودها الأمن، وتحكمها مؤسسات مستقرة، وتمنح المستثمر والمواطن على حد سواء الثقة في المستقبل.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الرسالة الملكية باعتبارها دعوة إلى عدم اختزال مفهوم التنمية في الأرقام أو نسب النمو فقط، لأن التنمية الحقيقية تبدأ من بناء الثقة، والثقة لا يمكن أن تنمو في مناخ تغيب فيه الطمأنينة أو يطغى عليه عدم اليقين.
ولعل أهم ما يميز هذا المحور في الخطاب، أنه لم يأت بمنطق المفاضلة بين الأمن والتنمية، وإنما قدمهما باعتبارهما وجهين لعملة واحدة: فلا تنمية من دون استقرار، ولا استقرار يكتمل من دون تنمية تلامس حياة المواطنين، وتفتح آفاقا جديدة أمام الاستثمار والشغل وتحسين جودة العيش.
وفي السياق نفسه، جاء تأكيد الملك على أن المغرب “دولة عريقة تستمد قوتها من تقاليدها الراسخة، كدولة-أمة، تقوم فيها المؤسسات بدورها في إطار من الانسجام والتكامل”.
وقد تبدو هذه العبارة للبعض مجرد توصيف لطبيعة الدولة المغربية، لكنها تحمل في عمقها رسالة أخرى، مفادها أن قوة الدول لا تقاس فقط بما تملكه من إمكانات مادية، وإنما أيضا بمدى تماسك مؤسساتها، وقدرتها على العمل بروح واحدة، مهما تعاقبت التحديات.
إنها رسالة توحي بأن الاستقرار ليس حدثا طارئا، ولا نتيجة ظرفية، بل هو ثمرة تراكمات مؤسساتية وسياسية جعلت المغرب قادرا على تدبير محطات دقيقة، والاستمرار في إطلاق أوراش كبرى، في وقت وجدت فيه دول أخرى نفسها مضطرة إلى تجميد مشاريعها أو مراجعة أولوياتها تحت ضغط الأزمات.
ولعل من بين الرسائل التي تستحق التوقف عندها في هذا المحور، أن الخطاب الملكي لم يتحدث عن الاستقرار باعتباره غاية في حد ذاته، بل باعتباره وسيلة لفتح آفاق جديدة أمام الاقتصاد الوطني، فالعالم اليوم لم يعد يقيس جاذبية الدول فقط بما تعرضه من امتيازات ضريبية أو حوافز مالية، بل أصبح ينظر قبل كل شيء إلى مدى استقرار مؤسساتها، وقدرتها على تدبير الأزمات، واستشراف المستقبل بثقة.
ومن هنا، يبدو أن الربط الذي أقامه الملك بين الاستقرار والتنمية لم يكن اعتباطيا، فهل يمكن فعلا الحديث عن اقتصاد قوي في بيئة يسودها التوتر وعدم اليقين؟ وهل يمكن لرؤوس الأموال، سواء الوطنية أو الأجنبية، أن تراهن على مشاريع طويلة الأمد في غياب الثقة؟
فربما تكمن الإجابة في التحولات التي يشهدها العالم اليوم، حيث أصبحت الطمأنينة في حد ذاتها قيمة اقتصادية، وأصبح الاستقرار أحد المعايير الأولى التي تحدد وجهة المستثمرين.
ولعل ما يميز التجربة المغربية، كما يمكن استنتاجه من مضامين الخطاب، أنها لم تكتف بالحفاظ على الاستقرار، بل سعت إلى تحويله إلى رافعة لمواصلة الأوراش الكبرى، وتطوير البنيات التحتية، وتعزيز مكانة المملكة كشريك يحظى بثقة العديد من الفاعلين الدوليين.
فحين تستمر المشاريع رغم الأزمات العالمية، وحين تواصل الدولة تنفيذ برامجها دون ارتباك، فإن ذلك يبعث برسالة طمأنة إلى كل من يفكر في الاستثمار أو بناء شراكات طويلة الأمد مع المغرب.
غير أن الأمر لا يقف عند الجانب الاقتصادي فقط. فحين وصف جلالة الملك الاستقرار بأنه “الرأسمال الاستراتيجي” للمملكة، بدا وكأنه يدعو أيضا إلى إعادة النظر في الطريقة التي نقيس بها قوة الدول، ففي السابق كانت المقارنات تركز على حجم الناتج الداخلي أو الموارد الطبيعية أو القوة العسكرية، أما اليوم، فإن العالم يضع معيارا آخر لا يقل أهمية، وهو قدرة الدولة على الصمود أمام الأزمات، والحفاظ على توازنها، والاستمرار في أداء وظائفها مهما كانت التحديات.
وقد يطرح هذا المعطى سؤالا آخر: هل كان الخطاب موجها إلى الداخل فقط؟
من الصعب حصر الرسالة في هذا الإطار، فمن جهة يحمل الخطاب طابعا وطنيا واضحا، يدعو إلى تثمين ما تحقق والمحافظة عليه، ومن جهة أخرى يصعب تجاهل حقيقة أن العالم بأسره يراقب التجارب الناجحة في تدبير الأزمات، وأن المغرب، وهو مقبل على استحقاقات ومشاريع كبرى، يحتاج باستمرار إلى ترسيخ صورته كدولة مستقرة، تتمتع بمؤسسات قوية، وتملك رؤية واضحة لمستقبلها.
وربما لهذا السبب، جاء استعمال عبارة “عملة نادرة” محملا بأكثر من دلالة، فالعملة النادرة لا تعني فقط أنها قليلة الوجود، بل تعني أيضا أنها تزداد قيمة كلما اشتدت الحاجة إليها، فإذا كان العالم يعيش اليوم على وقع اضطرابات متلاحقة، فإن الاستقرار يصبح بالفعل ثروة لا تقل أهمية عن أي مورد إقتصادي أو طبيعي، بل وقد يكون الشرط الذي يسمح بالاستفادة من باقي الموارد.
وفي هذا السياق، يمكن فهم الخطاب الملكي باعتباره دعوة إلى عدم التعامل مع الأمن والاستقرار باعتبارهما أمرين مسلما بهما، بل باعتبارهما مكسبين يحتاجان إلى صيانة مستمرة، وإلى عمل مؤسساتي متواصل، وإلى وعي جماعي بأن الحفاظ على المكتسبات لا يقل أهمية عن تحقيقها.
كما أن القراءة المتأنية لهذا المحور توحي بأن المغرب يسعى إلى بناء نموذج يقوم على التوازن؛ فلا تنمية دون أمن، ولا أمن يحقق أهدافه إذا لم ينعكس على حياة المواطنين من خلال الاستثمار، وفرص الشغل، وتحسين الخدمات، وتقوية الاقتصاد الوطني، إنها كمعادلة متكاملة، يبدو أن الخطاب أراد ترسيخها باعتبارها خيارا استراتيجيا للمملكة خلال المرحلة المقبلة.
وفي النهاية، لم يكن حديث الملك محمد السادس عن الأمن والاستقرار مجرد محطة عابرة ضمن خطاب عيد العرش، بل بدا وكأنه رسالة تحمل رؤية متكاملة لكيفية قراءة العالم من حولنا، ففي زمن تتغير فيه موازين القوى، وتتسابق الدول للبحث عن مصادر جديدة للقوة، اختار المغرب، كما تعكس مضامين الخطاب، أن يعتبر الاستقرار أحد أهم عناصر تفوقه، وأن يجعله قاعدة ينطلق منها نحو استكمال مساره التنموي.
وربما هذا هو جوهر الرسالة التي أراد الخطاب أن تصل إلى المغاربة وإلى شركاء المملكة في الخارج: أن الاستقرار ليس مجرد شعور بالأمان، ولا مجرد غياب للأزمات، بل هو رصيد وطني يتراكم عبر السنوات، ويمنح الدولة القدرة على مواجهة التحولات، ويجعلها أكثر استعدادا لصناعة المستقبل بثقة وثبات بالرغم من تأزم الأوضاع الخارجية.