الانتفاضة %%% نادية المهداوي
ذكرني النقاش حول لفظ “التهجير”بدل “الإجلاء” للصحفي يونس مسكين بواقعة شخصية :
سنة 2009 وبعد حصولي على إجازتين بدأت البحث عن فرصة عمل مؤقتة-حتى استطيع استكمال مساري الدراسي-، فإشتغلت كمساعدة اجتماعية بمؤسسة للرعاية الاجتماعية بالرباط. كانت مهمتي ضمن وحدة متنقلة تتولى نقل الأشخاص في وضعية هشاشة اجتماعية، خاصة من يعيشون في الشارع أو يمتهنون التسول، إلى المركز حيث يتم استقبالهم والاستماع إليهم وإيواءهم ، ثم إنجاز تقارير اجتماعية ترصد أوضاعهم ومساراتهم الحياتية والأسباب التي دفعتهم إلى التشرد أو التسول.
قضيت ستة أشهر في هذا العمل، أتنقل يومياً بين حالات إنسانية مركبة، أتابع ملفات قديمة، وأواكب الأطفال الذين أعيد إدماجهم في المدرسة، وأطمئن على الأمهات والأطفال وكل النزلاء.
في بداية أحد الأسابيع، وجدت أن وحدة العمل الليلي قد أحضرت رجلاً في الخمسين من عمره تقريباً، يرتدي بدلة زرقاء وقميصاً أبيض، أنيق الملبس رغم شعره الطويل المنفوش، طويل القامة، قوي البنية، أبيض البشرة. جلست للاستماع إليه محاوِلة فهم الظروف التي دفعته إلى قضاء ليلته في حالة تشرد.
أخبرني أن اسمه سعيد، وأنه حاصل على الإجازة في الاقتصاد ومنحدر من مدينة تازة، لكنه رفض الإفصاح عن مجال عمله أو أسباب وضعه الحالي.
احترمت صمته وأوقفت البحث على أساس استئنافه عندما يصبح مستعداً للكلام.
في اليوم الموالي وجدته ينتظرني، غير أن حديثنا ظل عاماً، نتبادل أخباراً وقضايا اجتماعية دون أن يكشف عن شيء من حياته الخاصة، ثم انصرف.
لاحظت أنه يعاني أزمة نفسية واضحة، وتعاطفت مع وضعيته الغامضة: شخص يحمل شهادة جامعية، يتحدث عن خبرة وتكوينات مهنية متعددة، ويكرر أنه طُرد من عمله بعد مشاكل مهنية دون أن يوضح طبيعتها.
في اليوم الثالث تابعت عملي الاعتيادي: تفقد النزلاء، مواكبة الحالات، ربط الاتصال بعائلاتهم أو بالمراكز الصحية أو الجهات القانونية، حسب ما تقتضيه الحاجة أو ما يطلبه النزيل.
رأيت سعيد يراقبني من شرفة الطابق الأول، وكان فضولي المهني وتعاطفي الإنساني يتناميان، بينما ظل تقريره الاجتماعي ناقصاً ولم تتضح بعد طبيعة التدخل المناسب لحالته.
ناديت عليه وسألته إن كان يحتاج شيئاً، خاصة أن رجلاً في مثل سنه لا يستقيم افتراض إعادته إلى أسرته أو التواصل معها دون رغبته. جاء جوابه غير متوقع من نزيل بمركز إيواء؛ قال إنه يريد أوراقاً بيضاء، وقلمًا، وفرشاة ومعجون اسنان . كان المركز قد تكفل سابقاً بحلق شعره وتصفيفه. توقفت لحظة أستوعب طلبه، ثم وافقت بسرور.
ظننت أنه يرغب في كتابة ما لم يستطع البوح به، أما طلبه أدوات النظافة فكان مؤشراً على وعي صحي وحرص على الكرامة الشخصية، مما أكد لي أن سعيد ليس متشرداً بالمعنى النمطي للكلمة.
اعتدت أحياناً أن أقتني من أجرتي المتواضعة بعض الحاجيات البسيطة للنزلاء: قنينة رضاعة لطفل، سجادة صلاة من منزلي، أو إبرة وخيط. كانت طلبات إنسانية صغيرة لا تستدعي مساطر إدارية معقدة.
وفي اليوم الرابع عدت بما طلبه سعيد، وسلمته الأغراض وسألته إن كان سيطلعني على ما سيكتبه، فاكتفى بابتسامة شاكرة وانصرف دون جواب.
في اليوم الخامس، وأثناء جولتي الصباحية، علمت أن سعيد غادر المركز ليلاً.
توجهت إلى الإدارة مثقلة بالأسئلة: كيف غادر؟ ولماذا؟ وهل تمت تسوية وضعيته؟ وهل كتب ما أراد؟ بقيت تساؤلاتي معلقة بلا جواب. مر أسبوع كامل، تمنيت خلاله، كما أفعل مع كل نزيل، أن يكون قد استعاد توازنه وعاد إلى حياته المهنية التي لم يكشف عنها.
في بداية الأسبوع الثالث، وأنا في طريقي إلى المركز مشياً من “جور ا نوي” نحو باب شالة، سمعت من يناديني: “أستاذة نادية”. التفتُّ فإذا بسعيد أمامي، لكن في حالة سيئة، رغم نظافة لباسه. أخبرني أنه طُرد ليلاً من المركز، بعد تردد في شرح الأسباب، ثم قال إنه مرفوض بسبب طرده من عمله الذي تشبت بعدم الإفصاح عنه، وإنه يعاني مشاكل نفسية، وإن تقريراً بشأنه رفع إلى إدارة المركز فتم إخراجه بالقوة.
سألته إن كانت له أسرة في تازة، فأجاب بالإيجاب. نصحته بالعودة إليهم والبحث عن عمل جديد، وتمنيت له التوفيق وانصرفت. غير أنني حين وصلت إلى المركز فوجئت بحارس الأمن الخاص يمنعني من الدخول، معتذراً ومبلغاً إياي أن رئيس الجمعية — وهو وزير سابق — أصدر قراراً يمنعني أنا وزميلتي بشرى المساعدة الاجتماعية من الولوج.
اتصلت ببشرى، فأخبرتني أنها تلقت الإشعار نفسه، وأن سبب القرار يعود إلى معجون الأسنان والفرشاة والأوراق والقلم التي اقتنيتها لسعيد، بعدما ورد ذكرها في مقال صحفي بجريدة “أخبار اليوم” للصحفي يونس مسكين، حيث أشار إلى “مساعدة اجتماعية” دون ذكر الاسم، فتم طردي واستبعادها إلى مركز آخر .
اقتنيت الجريدة، فوجدت في صفحتها الأولى عنواناً: “كلما تذكرت الندبة أشرقت ابتسامة تلك المرأة”. كان المقال يروي شهادة سعيد عن دخوله المركز وما تعرض له ، وعن المساعدة الاجتماعية التي قدمت له تلك الحاجيات، واصفاً عملها ومشيداً به، ومستحضراً أثر “الابتسامة” في مواجهة معاناته. كانت لشاعرية سعيد ولخبر يونس اثر في بداية مساري المهني…
حاولت التواصل مع رئيس الجمعية وأعضائها دون جدوى، ثم توجهت إلى قسم العمل الاجتماعي للقطاع الوصي لتقديم شكاية، لكن دون نتيجة. بعدها اتصلت مع بشرى برئيس التحرير السيد توفيق بوعشرين لشرح وضعيتنا، فاستمع إلينا بتعاطف ووعد بالنظر في الأمر، غير أن المسار توقف عند هذا الحد. نصحتني بشرى لاحقاً بالبحث عن عمل آخر ونسيان القضية.
أكملت سنتي الجامعية الأولى في سلك الماستر بصعوبة شديدة، بفضل دعم زميلتي بشرى التي ساعدتني في الحصول على سكن بالحي الجامعي لمهندسي الطاقة والمعادن، والعمل ضمن ابحاث سوسيولوجية ميدانية. كانت تجربة قاسية، لكنها مرت على كل حال وكانت اختبارا مهما في بداية مساري، والسنة الثانية كنت قد توفقت في الحصول على منصب وظيفي لممارسة شغفي بالعمل الاجتماعي بشكل افضل بكثير.
ورغم مرور سبعة عشر عاماً على هذه الواقعة، فإنها لم تغادر ذاكرتي. كانت أول صدمة وجودية ومهنية أختبر فيها،كيف يمكن لعمل إنساني بسيط أن يتحول إلى سبب للإقصاء، وكيف يمكن لخبر صحفي، مهما كانت دوافعه، أن ينتج آثاراً اجتماعية ومؤسساتية عميقة. أتعاطف مع سعيد، لأن النزيل أو المريض قد يسقط على من يساعده تمثلات نفسية تمنحه الطمأنينة، وهو أمر مفهوم سوسيولوجياً ونفسياً. غير أن الاهتمام بآثار الفعل الإعلامي ومسؤوليته الاجتماعية، وما ترتب عنه من معاناة شخصية لم يؤخد بالحسبان ووحدي تكبدت نتائجه.
وعندما طُرح مؤخراً النقاش حول استعمال لفظ “التهجير” بدل “الإجلاء” على لسان الصحفي، عادت إلى ذاكرتي تلك الأحداث القديمة وما خلّفه ذلك المقال من آثار في مساري المهني والشخصي. ومع ذلك، أجد أن اللفظ في ذاته لا يبرر حجم الهجوم الذي تعرض له الصحفي، خاصة أنه أبان لاحقاً عن تجربة مهنية رصينة وإنتاجات صحفية وازنة. فكل عمل بشري يظل قابلاً للنقص والمراجعة والنقد دون تحامل.
يبقى الأساس هو توخي الحذر المهني عند التعاطي مع الكلمات والمضامين، لما قد تحمله من دلالات قابلة للتأويل أو قد يضيق بها السياق.
ومن هذا المنطلق، أستحضر تجربتي اليوم بروح من التسامح والتفهم، مؤمنة بأن ما وقع كان جزءا بسيطا جدا جدا من مسار إنساني ومهني جد جد صعب كذلك، وأن التجارب، مهما كانت قاسية، تظل دروساً في الفهم والنضج وتوسيع أفق النظر.
التعليقات مغلقة.