المساء الأحمر

الانتفاضة  $$ ميمونة الحاج داهي 

في واجهة محلٍّ فخم، حيث يُغسل الزجاج كل صباح لغسل سمعة المكان ، جلس دبٌّ أحمر في منتصف المشهد، كأنه بيانٌ بصري عن معنى الهدية.

كان فراؤه القاني مشدودا على جسد قطنيّ ممتلئ، وشريط حريريّ يطوّق عنقه بعقدة متقنة تشبه وعدا جاهزا.

لم يكن يعرف من العالم سوى انعكاسه على الزجاج، فيحسب أن اللمعان الذي يراه هو ذاته. كان يرى العابرين ولا يراهم حقا.

وجوهٌ مصقولة، عطورٌ باهظة، هواتف تلتقط صور الواجهة ثم تمضي. لم تلمع عينٌ واحدة حين وقعت عليه، لكن غروره القطني كان يؤوّل البرود إعجابًا صامتا.

هو في الواجهة، والواجهة لا تكون إلا للأهم.

وفي مساء تتكاثر فيه القلوب الحمراء على الأرصفة، دخل رجلٌ يحمل في خطوه استعجالا وفي عينيه قرارا. لم يتردد.

أُنزِل الدب من عليائه الزجاجي كما يُنزَل نجمٌ من سماء صناعية. للمرة الأولى شعر بثقل يدين آدميتين، بحرارةٍ لا تأتي من مصابيح العرض.

في الغرفة الخلفية، رُشَّ بالعطر حتى تشبّع، كأنهم يخشون أن تنقصه قيمةٌ ما. سُوِّي فراؤه، عُدِّل شريطه، ثم وُضع داخل كيس أنيق يطل منه وجهه بزاويةٍ محسوبة، كابتسامة مُدرَّبة. إلى جواره بطاقة، وعلبة مخملية تحتضن خاتما يلمع ببرودة المعدن ووعد الالتزام.

في السيارة، استقر على المقعد المجاور للسائق. كان الرجل يدندن بأغنية عن الشوق، بصوت خافت كأنما يخشى أن يسمعه خذلانه. اهتزّ الدب مع الطريق، وشعر أنه يعبر من زمن العرض إلى زمن المعنى.

المدينة تمرّ من نافذةٍ نصف مفتوحة، أضواؤها تنساب كالنياشين، والليل يتهيأ ليشهد اعترافا.

توقفت السيارة.

رأى من خلال فتحة الكيس طاولة في زاوية مطعم، شموعا مضيئة تتنفس بلهيب صغير، وكأسين ينتظران اكتمال الصورة.

وُضع على الطاولة قرب العلبة.

جلس مستقيما، كأنما يدرك أن اللحظة التي انتظرها قد حانت…لكن الانتظار له وجهان.

الشموع أخذت تقصر، والوقت يثقل..

الرجل ينظر إلى هاتفه، يعيد الاتصال، صوته يهبط من رجاء إلى حدّة، من رجفة أملٍ إلى خشونة غضب…كلمات قاسية تسقط، شتائم قصيرة، صمتٌ أطول.

من كان ينبغي أن تأتي… لن تأتي.

رأى الرجل يشد شعره، يدفع الكرسي، يلتقط الكيس بعنف كأنما يعاقب الأشياء بدل القدر.

في السيارة، لم تعد هناك دندنة.

الطريق صار أقصر مما ينبغي، والنَفَس أثقل مما يحتمل صدرٌ واحد.

توقفت السيارة فجأة.

فُتح الباب.

يدٌ مشدودة، قبضةٌ غاضبة، ثم هواء.

طار الدب لحظة، رأى السماء بلا سقف، ثم سقط على أكياس نتنة في مطرح قمامة على هامش شارع لا يعرف الواجهات.

انقلب على وجهه، وغاص نصفه في رطوبة لزجة، اختلط عطره الفاخر برائحة العطب.

بقي منكفئا طوال المساء.

يسمع وقع أقدام تمرّ دون أن تلتفت، ضحكات بعيدة، أبواب سيارات تُغلق.

نزل المطر خفيفا أولا، ثم أثقل، كأنه يغسل عنه طبقة العرض الأخيرة.

تسللت القطرات إلى فرائه، أطفأت ما بقي من أثر الزينة..هناك، على الإسفلت الرطب، فهم لأول مرة أن قيمته في الواجهة لم تكن له، بل للسياق الذي أحاطه..كان جزءا من مشهد، من طقس اجتماعيّ محكومٍ بتوقيت.

فلما فشل الطقس، سقطت أدواته.

ثم جاءت يدان صغيرتان.

لم تكونا معطّرتين، ولا مشذبتَي الأظافر.

كانتا يدين نحيلتين، ترتجفان قليلًا من البرد..رفعتْه فتاةٌ بشعرٍ أشعث وملابس قديمة، ملامح الفقر منقوشة على وجهها بلا رتوش..نظرت إليه طويلا، لم تره كقطعة عرض، رأته كاكتشاف أذهلها.

مسحته بطرف ثوبها بعناية جادة، كأنها تزيل عنه إهانة لا يستحقها.

ثم ابتسمت.

ابتسامةٌ لم تصنعها مصابيح، ولم تُدرّبها مرايا..ابتسامةٌ خرجت من عمق حاجة وجدت أخيرا ما تحتضنه.

التقت عيناه الزجاجيتان بعينيها الحقيقتين.

كان فيهما لمعانٌ لم يعرفه في شارع الواجهات.

أولئك الذين مروا أمامه بملابسهم الأغلى، لم تلمع عيونهم عند رؤيته، لم تتسع حدقاتهم بدهشة امتلاك.

كانوا يرونه جزءا من زينة.

أما هي، فرأته نعمة.

احتضنته بقوة، حتى شعر أن قطنه يكتسب حرارة جديدة.

همست بصوت خافت:

أنت الآن لي.

في تلك اللحظة، تبدل المعنى.

لم يعد دبا فاخرا أُعدّ ليشهد خاتما لم يُقدَّم.

صار سريرا صغيرا لفرحٍ صادق، ورفيقا لليالٍ بلا كهرباء، ووسادة لدموعٍ قد لا تجد كتفًا آخر..وفهم، وهو بين ذراعيها، لماذا تكثر المحلات من الزينة اللامعة.

كانت تحاول أن تُضفي حياة على أشياء لا تنبض..أما هنا، في حضن طفلة عيناها تلمعان من الداخل، فقد وجد الحياة دون حاجة إلى واجهة زجاج.

لم يعد يأسف على الواجهة.

بعض الأشياء لا تُخلَق لتُعرض، بل لتُحب..و كم منا وضع نفسه في المكان الخطأ ظنا أن به حياة..إلى أن وجد الحياة في أشياء أقل لمعانا و لكنها أكثر وهجا..

التعليقات مغلقة.