الانتفاضة/ سيداتي بيدا
لم ينتظر اليمين الإسباني طويلاً ليكشف عن ملامح مشروعه السياسي. فما إن أُعلن عن التحالف الحكومي بين حزب الشعب (PP) وحزب “فوكس” اليميني المتطرف في إقليم الأندلس، حتى بدأت أولى الضربات تستهدف أحد أبرز الجسور الثقافية بين أبناء الجالية المغربية ووطنهم الأم برنامج اللغة العربية والثقافة المغربية.
الاتفاق الذي وقعه رئيس حكومة الأندلس خوانما مورينو وزعيم “فوكس” في الإقليم مانويل غافيرا لم يكن مجرد تفاهم لتقاسم المناصب، بل إعلاناً صريحاً عن مرحلة جديدة عنوانها التشدد وإعادة رسم السياسات وفق أجندة اليمين المتطرف، حتى وإن كان الثمن التضحية بحقوق آلاف التلاميذ المنحدرين من أصول مغربية.

ولم يكتفِ فوكس بحجز موقع متقدم داخل الحكومة الإقليمية، بعدما حصل على حقائب مؤثرة ومنصب نائب رئيس الحكومة، بل فرض أيضاً أجندته الأيديولوجية، واضعاً برنامج اللغة العربية والثقافة المغربية على رأس قائمة القرارات المستهدفة، في خطوة أثارت موجة واسعة من الاستياء والقلق.
القرار يعني عملياً إنهاء برنامج ظل لسنوات يوفر لأبناء الجالية المغربية فرصة تعلم لغتهم الأم والحفاظ على هويتهم الثقافية، وهو ما يطرح تساؤلات كبيرة حول مستقبل سياسات الاندماج التي طالما تباهت بها إسبانيا.
وتبدو مقاطعة ألمرية الخاسر الأكبر، بعدما شمل البرنامج 38 مؤسسة تعليمية، أي نحو 40 في المائة من مجموع المؤسسات المستفيدة في الأندلس، تليها غرناطة وقادش، حيث تنتشر جاليات مغربية كبيرة ستجد نفسها أمام واقع جديد يهدد أحد أهم مكتسباتها التعليمية والثقافية.

ويأتي هذا التحالف امتداداً لسلسلة من الاتفاقات التي جمعت حزب الشعب بـ فوكس في أقاليم أخرى مثل إكستريمادورا وأراغون وكاستيا وليون، في مؤشر واضح على أن اليمين الإسباني يمضي بثبات نحو توسيع نفوذه، تمهيداً للسيطرة على الحكومة المركزية في الانتخابات المقبلة.
ما يحدث في الأندلس لا يمكن اختزاله في تعديل إداري أو إعادة هيكلة حكومية، بل يعكس اتجاهاً سياسياً أكثر صلابة تجاه قضايا الهوية والهجرة والتعدد الثقافي.
وعندما تصبح البرامج التعليمية والثقافية أولى ضحايا الصفقات السياسية، فإن الرسالة تكون واضحة اليمين المتطرف لا يكتفي بدخول السلطة، بل يسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع وفق رؤيته، حتى لو جاء ذلك على حساب التنوع والتعايش وحقوق آلاف الأسر التي جعلت من الأندلس وطناً ثانياً لها.