الانتفاضة @@@ زكرياء نمر
ليست ازمة بناء الاوطان ازمة موارد او جغرافيا، بل ازمة وعي سياسي واخلاقي. فالدول لا تفشل فقط بسبب الحروب او الفقر، بل تفشل قبل ذلك عندمآ تختطف فكرة الوطن لصالح القبيلة، وحين تتحول الدولة من كيان عام الى ملك خاص تتقاسمه العشائر والنخب المرتبطة بها.
في المجتمعات التي لم تحسم علاقتها مع القبلية، لا تكون الدولة سوى واجهة شكلية. الدستور موجود على الورق، والمؤسسات قائمة بالاسم، لكن القرار الحقيقي يُصنع خارجها، في دوائر الانتماء الضيق، حيث القرابة تسبق الكفاءة، والولاء يسبق القانون، والصمت عن الفساد يعد حكمة، والاعتراض يُصنف خيانة. القبيلة، حين تدخل السياسة، لا تنتج حكما، بل تنتج محاصصة. ولا تصنع استقرارا، بل توازن رعب مؤقت. فكل سلطة قائمة على العصبية هي سلطة خائفة، لانها تعرف انها لا تستند الى عقد اجتماعي، بل الى تحالفات هشة قابلة للانفجار عند اول خلاف على الغنيمة.
الثقافة والعلم في هذا الواقع ليسا مجرد شعارات تنموية، بل ادوات تحرر سياسي. الثقافة تفضح منطق التقديس الاعمى، وتكسر اسطورة الزعيم، وتعيد الاعتبار للمواطن كفاعل لا كتابع. اما العلم، فيهدد بنية الفشل، لانه يسأل عن النتائج، ويقيس الاداء، ولا يعترف بشرعية النسب او التاريخ الشخصي. لهذا السبب، تخاف السلطات الهشة من الوعي. تخاف من الجامعة الحرة، ومن الصحافة الجريئة، ومن المثقف غير المدجَّن. فكل سؤال نقدي هو تهديد مباشر لنظام يقوم على التلقين لا على الاقناع، وعلى الولاء لا على الكفاءة.
التاريخ واضح في هذه المسألة: لا توجد دولة حديثة نجحت وهي تحكم بمنطق العشيرة. الدول التي تقدمت فعلت ذلك حين نزعت القداسة عن الدم، وربطت السلطة بالقانون، وربطت الحقوق بالمواطنة لا بالانتماء الاثني. وما عدا ذلك ليس سوى اعادة انتاج للفشل باسم الهوية. العدالة الاجتماعية ليست خطابا اخلاقيا، بل شرطا سياسيا للاستقرار. لا يمكن اقناع انسان مهمش بالانتماء لوطن يعامله كمواطن درجة ثانية. ولا يمكن بناء سلم اهلي دائم في ظل دولة تكافئ القرب وتعاقب الكفاءة. فحين يشعر الناس ان الدولة لا تمثلهم، يبحثون عن بديل، وغالبا ما يكون هذا البديل هو القبيلة او السلاح.
اما الحديث عن التمدن، فهو حديث عن الانتقال من حكم الاشخاص الى حكم المؤسسات. من منطق الشيخ والزعيم، الى منطق القانون والمساءلة. من دولة تقوم على الوجوه، الى دولة تقوم على الانظمة. وهذا الانتقال لا يتم تلقائيا، بل عبر صراع فكري وسياسي طويل، يتطلب شجاعة في مواجهة البنى التقليدية لا مصالحتها على حساب المستقبل. المثقف ليس شاهدا محايدا، بل طرف في المعركة. فاما ان يكون جزءا من الوعي، او جزءا من التبرير. واما ان ينحاز لفكرة الدولة، او يختبئ خلف خطاب رمادي يساوي بين الضحية والجلاد باسم التوازن.
الاوطان لا تبنى بالمجاملات، ولا تحمى بالصمت، ولا تتقدم بالحنين. تبنى حين نملك الجرأة على تسمية الاشياء باسمها القبلية في السياسة خراب، والعلم ضرورة، والثقافة فعل مقاومة، والدولة لا تقوم الا على المواطنة. وكل مجتمع يرفض هذا الاعتراف، انما يختار الاستمرار في الدوران داخل الحلقة نفسها، مهما تغيرت الوجوه، ومهما تبدلت الشعارات.
التعليقات مغلقة.