الانتفاضة// شاكر ولد الحومة
إنه مؤتمر البكاء والتحولات العاطفية يا سادة يا كرام…
مؤتمر حزب الأحرار بالجديدة يتحول إلى مشهد من العواطف والبكاء واللطميات احتاج معه البكاؤون إلى أوراق ومناديل عدة.
مؤتمر عوض أن يناقش الأوراق المعروضة عليه تحول إلى مندبة كبيرة والميت أخنوش وحواريوه.
أناس لم يبكو على ضحايا الحوز واسفي وفاس والقصر الكبير وغيرها من مدن المغرب العميق.
بل بكوا وتباكوا لأن اخنوشهم سيقطع عليهم البزولة.
أخنوش الذي استقال أو اقيل لأن اوامر أعطيت له بالتنحي.
ففي حدث سياسي بارز، عُقد مؤتمر حزب الأحرار بمدينة الجديدة، والذي كان مُخصصًا لمناقشة الخطط المستقبلية للحزب وتعزيز الروابط بين أعضائه، لكنه شهد تحولًا غير متوقع، إذ تخللته لحظات من البكاء والعواطف اللطمية.
هذا التحول أثار تساؤلات عديدة حول الأسباب والرؤى التي أدت إلى هذا الانفعال.
فقد عُقد المؤتمر في إحدى قاعات مدينة الجديدة، يوم السبت الماضي، واستقطب مجموعة كبيرة من قادة الحزب، الأعضاء، وكذلك مؤيدين من مختلف مناطق البلاد.
وكان الهدف من الاجتماع هو تعزيز الروح التشاركية بين أعضاء الحزب، مناقشة البرامج الانتخابية المقبلة، واستعراض إنجازات الحزب منذ آخر مؤتمر.
وركز المؤتمر على عدة مواضيع، من بينها أهمية الوحدة وعدم الانقسام، بالإضافة إلى عرض الاستراتيجيات لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها البلاد.
لكن تحول المؤتمر إلى بكاء ونحيب وعويل جنازة حضرها آلاف المعزين.
البركة فراسكوم من جيهت اخنوش والبقية في شوكي….
فمع بدء فعاليات المؤتمر، كان الجميع في انتظار كلمات حماسية وملهمة. إلا أن الأمور أخذت منحىً دراميًا عندما بدأ بعض الأعضاء في البكاء أثناء استعراض تجاربهم الشخصية ومعاناتهم.
وتحدث العديد منهم عن فقدانهم لأحبائهم بسبب الأوضاع الاقتصادية أو التحديات الأمنية، مما جعل الحضور يشعرون بالألم نفسه.
كما تحدثت إحدى الأعضاء، وهي سيدة تجاوزت الخمسين من عمرها، عن فقدانها لابنها في حادث مأساوي، مُعبرة عن الألم الذي يعيشه الكثيرون في ظل الظروف الراهنة، مما أثار موجة من الحزن بين الحضور.
مؤتمر ركز على البكاء والنحيب ونسي هموم المغاربة مع الغلاء والازمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
مؤتمر انخرط في البكاء ونسي بكاء المغاربة مع الفقر والخصاص والعوز.
ولا تتجلى الأسباب الكامنة وراء هذه المشاعر في الوضع السياسي والاقتصادي المتقلب الذي تعيشه البلاد بل لأن اخنوشهم ودعهم وودع بالتالي مصالحهم الضيقة للأسف الشديد.
اما القضايا المتعلقة بالفقر والبطالة والفساد والتي أثرت بشكل كبير على المجتمع وأثارت مشاعر القلق والتوتر فات للبيت ربا يحميه.
بالإضافة إلى ذلك، يشهد حزب الأحرار تباينًا في الآراء حول بعض القرارات الإستراتيجية، مما يخلق شعورًا بالضيق والقلق حول مستقبل الحزب نفسه.
بل وكانت انتقادات عليا من بعض الأعضاء هي زادت من حدة التوتر، ودفعت الكثيرين للتعبير عن إحباطهم.
وخير مثال على ذلك الاتيان بشوكي وهو المجهول سياسيا إلى رئاسة حزب الأحرار في الوقت الذي تم تهميش عدد م القيادات المعروفة ولو أنه في الاخير يبقى حزبا إداريا ويدار من فوق.
وعلى الرغم من اللحظات المؤلمة، شهد المؤتمر أيضًا تعبيرات عن التعاطف والدعم.
كما تفاعل العديد من القادة مع الأعضاء المعبرين عن مشاعرهم، مؤكدين على أهمية الوحدة والانسجام لتجاوز الأزمات.
و في مواجهة تلك اللحظات، انقسمت الآراء بين من اعتبروا أن تلك المشاعر تعكس بشاعر عميقة ومؤلمة عن الحقيقية، وبين آخرين اعتبروا أن هذا النوع من الانفعال قد يُظهر ضعفًا سياسيًا. هؤلاء اعتبروا أن الحزب بحاجة إلى خطوات عملية بدلاً من الانفعالات العاطفية.
و رأى بعض الأعضاء ان تلك اللحظات تعكس أهمية تعزيز الوحدة داخل الحزب، إذ أن التماسك بين الأعضاء هو أساس النجاح في مواجهة التحديات.
وأن الأيام المقبلة تستدعي استراتيجيات قوية لمواجهة الأزمات، حيث يُعتبر الحوار الحقيقي بين الأعضاء ضرورة ملحة.
وأنه من الأهمية بمكان فتح قنوات الحوار بين الأعضاء والنظر في مشاعرهم وأفكارهم.و
و لن يمكن تجاوز التحديات إلا من خلال الاستماع إلى آراء الجميع، وبناء تصور مشترك لمستقبل الحزب.
مؤتمر حزب الأحرار بالجديدة كان أكثر من مجرد اجتماع عادي؛ فقد كان تجسيدًا لبكائيات ولطميات ، مما ساهم في ظهور عواطف جياشة تنبع من الألم والتوتر.
لذا يجب على الحزب أن يستفيد من هذه التجربة ويعمل على تعزيز اللحمة الداخلية، لضمان مستقبله السياسي واستعادة ثقة المواطنين فيه.
حيث إن كانت السياسة تعكس القضايا الاجتماعية، فإن الأحرار يحتاجون إلى استجابة فعلية لمطالب الشعب وآماله.
والا يكتفوا بالبكاء والنحيب لأن ذلك لا يفيد الشعب في شيء.
فالشعب يكفيه بكاء مع ما يعيشه من آلام ومشاكل وعراقيل وصعوبات في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
فقد شوهد رئيسَ الحكومة عزيز أخنوش وهو يلقي “خطبة الوداع” في مؤتمر حزبه..مشهد غير مألوف، أقرب إلى معجزة لغوية مصغّرة..
الرجل يتنقّل بنظره يمينًا ويسارًا، يصول ويجول في العربية صولَ الفارس، دون أن ينحني برأسه نحو ورقة، ولا أن يتعثر لسانه في منعطفٍ نحوي، ولا أن يتوقف ليلتقط أنفاس المفردات.
قلت في نفسي: ما الذي حدث؟
هل استيقظت فيه فجأة روح سيبويه؟
أم أن دورات مكثفة في البلاغة والخطابة أُقيمت له سرًّا في ليلةٍ لا يعلمها إلا الراسخون في البيان؟
دفعني الفضول (وهو داء العارفين ) إلى مشاهدة مقاطع أخرى من الخطاب من زوايا مختلفة..وهنا بدأت الحقيقة تتسلل بخفةٍ من بين الزجاج…
لمحت ذلك الضيف الشفاف، الهادئ، الوفي، الذي يقف هناك بلا ضجيج، يفك عقدة اللسان، ويرتب الأفكار، ويمنح الكلمات طريقًا معبّدًا نحو المخارج.
إنه بطل المرحلة الجديد..الملقّن الشفاف.
قطعتان من زجاجٍ بريء المظهر، تقفان على اليمين واليسار كحارسين أمينين للبلاغة، لا يراهما الجمهور، ولا تلتقطهما الكاميرات غالبًا، لكن المتحدث يراهما كما يرى المرآة.
نص الخطاب يطفو أمام عينيه كأنه وحيٌ لغوي نازل لتوّه، فيلتفت يمينًا… فيقرأ.
يلتفت يسارًا… فيقرأ، ونحن نظن أنه يتأمل، يتفكّر، يتخشّع في عمق المعاني !
يا لها من تقنية رحيمة..جهازٌ لا يرفع مستوى الخطاب فحسب، بل يرفع مستوى الثقة بالنفس أيضًا.
يحوّل التلعثم إلى طلاقة، والتردد إلى حزم، والنظر الشارد إلى تواصل بصري محسوب بدقة…بل ويمنح المتحدث هالة “الخطيب المفوّه” الذي لا يحتاج إلى ورق ولا إلى تذكير.
الجميل في الأمر أن هذا الزجاج لا يشي بأسراره..شفاف إلى درجة أن المشاهد في القاعة لا ينتبه، والمشاهد خلف الشاشة لا يشك، والمصور (في الغالب) يعرف تمامًا أين يوجّه عدسته حتى لا يُفسدص سحر اللحظة.
وهكذا، بينما كنا نعتقد أن البلاغة موهبة، وأن الخطابة فن، وأن الفصاحة تحتاج إلى تمرين طويل… اكتشفنا أن الأمر قد يحتاج أحيانًا إلى لوحين من الزجاج وشاشة في الأسفل.
بما أن الملقّن الشفاف دخل الساحة السياسية المغربية، فاستعدّوا لمرحلة جديدة من الخطب “التي تكسر الصخر”، حيث سيصعد إلى المنصة من كان بالأمس يتعثّر في جملةٍ قصيرة، ليعود إلينا اليوم خطيبًا مفوّهًا، يتنقّل بنظره بين اليمين واليسار… ونحن نصفق للبلاغة، بينما الزجاج يبتسم في صمت.
بكى اخنوش والطالبي وأحرار وغيرهم لأنه مصالحهم أصبحت في عداد الفقد…ولم يبكو لحظة وهم يرون خيرات المغرب والمغاربة توزع على غير المستحقين ظلما وعدوانا.
التعليقات مغلقة.