قلعة السراغنة.. معقل الفقه المالكي ومنارة العلماء المتنقلين بين مراكش وفاس

0

الانتفاضة//الحجوي محمد 

 

تشكل منطقة قلعة السراغنة، الواقعة في قلب المغرب، واحدة من أغنى الخزانات التاريخية للعلماء والفقهاء، حيث عرفت عبر العصور ازدهارًا استثنائيًا للمدارس العتيقة والزوايا القرآنية التي أخرجت أجيالًا من رجال العلم والأدب. وقد لعبت هذه المنطقة دورًا محوريًا في خدمة الفقه المالكي والثقافة المغربية، خاصة في الجنوب المغربي ومدينة مراكش، مما جعلها محطة أساسية في مسار الإشعاع العلمي بالمملكة.

ارتبطت السراغنة تاريخيًا بكونها مدرسة فقهية رائدة أسهمت في تكوين “تيار العلماء المتنقلين” بين مراكش وفاس، حيث كان علماء المنطقة يمثلون أعمدة جامعة ابن يوسف بمراكش. هذا التمازج العلمي بين المدن العتيقة جعل من قلعة السراغنة منارة فكرية تختزن تراثًا دينيًا وثقافيًا فريدًا، تجلى في بروز أسماء لامعة طبعت المشهد العلمي المغربي لعقود طويلة.

 

يُعتبر العلامة رحالي بن رحال بن العربي الحمومي السرغيني أحد أبرز علماء المغرب في القرن العشرين، حيث تميز كفقيه ومحدث ولغوي بارز. ولد بقلعة السراغنة (أولاد حمو) عام 1897م تقريبًا، وتلقى علومه بفاس ومراكش، وتتلمذ على يد كبار العلماء مثل أبي شعيب الدكالي، قبل أن يغادر دنياه عام 1985م تاركًا إرثًا علميًا ضخمًا.

 

كما برز محمد مفضال بن المختار السرغيني، الفقيه والمدرس الذي ولد بالمنطقة حوالي عام 1914م، فحفظ القرآن وتتلمذ على شيوخها، وعُرف بتبحره في العلوم الشرعية. ويُوصف محمد العربي بلبهلول الرحالي المشاوي السرغيني بأنه “فخر علماء السراغنة وزمران”، فهو فقيه وناظم وعالم وطني، ودفين ضريح سيدي عبد الرحمان بقلعة السراغنة، وله مؤلف قيم بعنوان “تحفة القراء” في رسم القرآن.

 

يُعد الحاج عبد السلام السرغيني من أعمدة الفقه المالكي، وقد ذكره الأستاذ أحمد متفكر كواحد من أبرز خريجي جامعة ابن يوسف من أبناء المنطقة. أما محمد الصالح السرغيني، فقد تحمس له علماء فاس لغزارة علمه، وأسس مدرسة قرآنية بمراكش أسهمت في تخريج العديد من الطلبة.

 

ويبرز الهاشمي بن ميرة كعالم ساهم في توعية الطبقة الشعبية، وكان يدعو إلى محاربة البدع وتصحيح المفاهيم الدينية. في حين اشتهر الفقيه سيدي محمد بن عمر السرغيني بالتدريس والعلوم العقلية والنقلية على السواء، وتخصص الفقيه العلامة سيدي عبد السلام بن المعطي السرغيني في جمع الجوامع وفرائض المختصر الخليلي.

 

لم يقتصر الإشعاع العلمي للسراغنة على الماضي فقط، بل امتد إلى العصر الحاضر، حيث فاز عبد السلام خيالي من منطقة قلعة السراغنة بجائزة محمد السادس للكتاتيب القرآنية، وذلك لتميزه في تعليم قواعد حفظ كتاب الله، وفقًا لتقرير عام 2025. كما يُذكر محمد بن أبي بكر السرغيني الفطناسي (المتوفى عام 1938م) كأحد فقهاء المنطقة البارزين الذين ساهموا في ترسيخ الهجرة العلمية.

بهذا الإرث الزاخر، تظل قلعة السراغنة شاهدة على عبقرية المغرب في احتضان العلم ونشر قيم الفقه المالكي، وستبقى ذكرى علمائها ورجالاتها محفورة في سجل التاريخ الثقافي والديني للمملكة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.