إلى أصحاب “السنطيحة الكبيرة”

الانتفاضة  %% سعيد حجي

إن ما يحزّ في النفس أحيانا، حينما تنتقد مسؤولا منتخبا جاهلا انطلاقا من تقصيره الفادح في المسؤولية، من ارتباكه في أبسط القرارات، من جهله بحدود الاختصاصات، من عماه عن الميكانيزمات الدقيقة التي تحكم دواليب السياسة، أن يخرج بعض حوارييه من جحورهم ، مدججين بالعصبية، مشحونين بروح القطيع، يدافعون عنه بالمخلب والناب، كأنهم لا يدافعون عن شخص، انما عن صنم قبلي، عن غنيمة، عن رمز صغير يختصر لهم معنى الوجود داخل الخراب….

والأمرّ في هذا كله، أن هؤلاء الذين يندفعون لحماية رئيس جماعة أمي، أو برلماني أمي، أو وزير يتلعثم لأن لغته الأم نفسها صارت غريبة على لسانه، يحملون شواهد عليا، يتزينون بألقاب جامعية، يتكئون على أوراق تقول إنهم مرّوا من بوابات المعرفة، من مدرجات الفكر، من امتحانات العقل.

لو دافع الأمي عن الأمي الجاهل لهان الأمر، لكان مشهدا طبيعيا في مجتمع لم يغادر بعد عتبة الأمية الكبرى، أمية الوعي، أمية الحس التاريخي، أمية المعايير.

لكن أن يدافع حامل شهادة عليا عن مسؤول لا يحمل في جعبته سوى “سنطيحة فولاذية” يقتحم بها عالم السياسة بمبدأ “لي ليها ليها”، فذلك مشهد يوجع، مشهد يفضح انقلاب القيم، انهيار السلم الرمزي، سقوط الهيبة المعرفية في سوق الضجيج.

ذلك السياسي الذي لا يملك خطابا، لا يملك تصورا، لا يملك مفهوما واضحا عن الدولة، عن التخطيط، عن الاستراتيجيات الترابية، عن الحكامة، عن التدبير، يقتحم المجال العمومي كمن يقتحم مقهى شعبيا، يوزع الوعود كما توزع النكات، يتعامل مع المؤسسات كأنها ملكية خاصة، يخلط العام بالخاص، يخلط السلطة بالصدفة، يخلط المسؤولية بالغنيمة.

والمبكي أكثر، أن هؤلاء المتعلمين يشاركون حتى في حملاته الانتخابية، يسيرون خلفه في الأزقة، يقطعون أحذيتهم معه في ميزان غير متكافئ، العلم مقابل المال، الرأسمال الثقافي مقابل الرأسمال الزبوني، الوعي مقابل الولاء، الفكر مقابل الفُتات.

قديما كان المتعلم يُرفع على الأكتاف، كانت المعرفة تاجا، كان حامل الشهادة يُنظر إليه أفقا للمجتمع، ضميرا، مرشدا في زمن الالتباس.

أما اليوم، السياسي الأمي الذومالي هو الذي يُرفع على الأكتاف، يرفعه المتعلم نفسه، يصفق له، يبرر زلاته، يلمّع عثراته، ربما مقابل “سندويتش وكانيط”، مقابل قرب عابر من دائرة النفوذ، مقابل وهم المشاركة في لعبة السلطة.

إنها مفارقة مبكية، مفارقة تكشف تشوه البنية الاجتماعية، تكشف كيف تتحول السياسة إلى مسرح للفراغ، وكيف يتحول المثقف إلى تابع، وكيف تتبدل الأدوار داخل المجتمع حين يصبح الجهل رأسمالا، وحين يصبح الضجيج بديلا عن الرؤية.

هؤلاء الذين يدافعون عن سياسي أمي جاهل يتلعثم أمام الكاميرات بحثا عن جملة مفيدة، أو الذي يعمل بمبدأ “تشيار الكلمات”، ما أتى به الفم يخرجه بلغة الشارع، بلا تركيب، بلا معنى، بلا مسؤولية لغوية… هؤلاء ينطبق عليهم المثل القائل: “اللي ما عندو وجه… كيديرها حرفة”.

لأن الدفاع هنا ليس دفاعا عن شخص، الدفاع هنا دفاع عن نموذج، عن نمط من الانحطاط الرمزي، عن ثقافة ترى في الرداءة حقا مكتسبا، في التفاهة استحقاقا، في المال معيارا وحيدا للجدارة.

السياسة في هذه الصورة تتحول إلى اقتصاد للولاءات، إلى هندسة للزبونية، إلى شبكة مصالح تتغذى على هشاشة الوعي الجمعي.

الجامعة تتحول إلى شهادة معلقة على جدار بلا أثر.

المعرفة تتحول إلى زينة اجتماعية.

المثقف يتحول إلى كومبارس في مسرح العبث.

وفي مكان ما من هذا المشهد، تمر جملة روائية كأنها قدر مكتوب على الجدران، جملة دوستويفسكي الثقيلة: “إن الإنسان يتعود على كل شيء، يا أصدقائي، وهذا هو الشيء الأكثر رعبا”.

يتعود الناس على الرداءة حتى تصير وطنا..

يتعودون على التفاهة حتى تصير معيارا..

يتعودون على السياسي الأمي حتى يصبح صورة مألوفة للسلطة.

وهكذا، يتسع الشرخ داخل المجتمع، شرخ أنطولوجي عميق، بين منطق العقل ومنطق الغنيمة، بين الأخلاق العمومية وبين أخلاق السوق، بين معنى الدولة ومعنى القبيلة الحديثة.

تتآكل الهيمنة الرمزية للمعرفة، تتفكك الشرعية الثقافية، تتصاعد الشعبوية بوصفها تعويضا عن الفراغ، يتضخم “اللاشعور السياسي”للجماعة، حيث يتم إنتاج الطاعة عبر الخوف، عبر المصلحة، عبر العادة.

وحين يصبح المثقف جنديا في جيش الأمية، تتبدى المأساة كاملة: ليست مأساة مسؤول جاهل، فذلك عرض من أعراض كثيرة.

المأساة أن المجتمع نفسه يعيد إنتاج جهله، يعيد تدوير الرداءة، يمنحها الشرعية، يتطبع معها، يحولها إلى قدر يومي.

هناك في العمق، في الطبقات غير المرئية من الاجتماع، يحدث هذا الانقلاب الصامت: القيم تسقط دون ضجيج، المعايير تتبخر، الثقافة تصبح ديكورا، السياسة تصبح مسرحا، المواطن يصبح متفرجا، والمتعلم يصبح جزءا من آلة تبرير الانحدار.

ذلك هو الحزن الحقيقي.

أن ترى المعرفة تمشي خلف المال، أن ترى العقل يصفق للفراغ، أن ترى الشهادة تنحني أمام السنطيحة، أن ترى المجتمع يبتلع مفارقته الكبرى ثم يبتسم.

التعليقات مغلقة.