الانتفاضة/ ابراهيم أكرام
في تطور سياسي ورياضي من العيار الثقيل، كشفت معطيات حصرية حصلت عليها مصادر مطلعة أن فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، حسم بشكل نهائي قرار دخوله غمار الانتخابات التشريعية المرتقبة يوم 23 شتنبر المقبل، مرشحا باسم حزب الأصالة والمعاصرة بدائرة وجدة أنكاد، في خطوة توصف بأنها واحدة من أكثر التحولات إثارة في المشهد السياسي المغربي خلال السنوات الأخيرة.
القرار، الذي ظل طي الكتمان داخل دوائر ضيقة، لم يكن مجرد خطوة انتخابية عادية أو مناورة سياسية ظرفية، بل يحمل في طياته أبعادا أعمق تتعلق بإعادة رسم التوازنات داخل حزب “الجرار”، كما يفتح الباب على مصراعيه أمام أسئلة كبرى مرتبطة بمستقبل الرجل على رأس الكرة المغربية، خاصة مع اقتراب موعد الجمع العام الحاسم للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم المرتقب عقده يوم 5 يونيو 2026 بمركب محمد السادس لكرة القدم بالمعمورة، والذي يتزامن مع نهاية ولايته الثالثة.
ووفق المعطيات المتوفرة، فإن قرار لقجع الترشح شخصيا بدائرة وجدة أنكاد أطاح بسيناريو كان يتم تداوله داخل كواليس حزب الأصالة والمعاصرة، ويتعلق بإمكانية ترشيح زوجته هدى المغاري ضمن لائحة النساء، قبل أن يتدخل الوزير القوي ويحسم الجدل باختيار النزول بنفسه إلى واحدة من أصعب وأقوى الدوائر الانتخابية بالمملكة، في رسالة سياسية واضحة تحمل أكثر من دلالة.
وتعتبر دائرة وجدة أنكاد من أكثر الدوائر حساسية على المستوى السياسي، بالنظر إلى الثقل الانتخابي الذي تمثله، إضافة إلى طبيعة التوازنات المحلية المعقدة، حيث تضم أسماء وازنة راكمت حضورا قويا داخل المشهد الانتخابي بالجهة الشرقية. وتشير التسريبات الأولية إلى أن الساحة مهيأة لمعركة انتخابية شرسة قد تتحول إلى مواجهة مباشرة بين لقجع وعدد من الأسماء الثقيلة، من بينها عمر حجيرة، أحد أبرز الوجوه السياسية بالمنطقة، إلى جانب محمد هوار الذي بات بدوره رقما صعبا داخل معادلة الشرق.
وتؤكد مصادر متطابقة أن دخول لقجع على خط المنافسة أربك حسابات عدة أطراف سياسية، ليس فقط داخل الأصالة والمعاصرة، بل حتى داخل أحزاب أخرى كانت تراهن على هندسة تحالفات محلية بعيدا عن أي مفاجآت كبرى. فالرجل الذي راكم نفوذا واسعا داخل دواليب الدولة، ونجح في السنوات الأخيرة في بناء صورة “المهندس الهادئ” للمشاريع الكبرى، خصوصا المرتبطة بكأس العالم 2030، يبدو اليوم بصدد الانتقال من مربع التدبير التقني والمالي إلى مربع الزعامة الانتخابية المباشرة.
ويرى متابعون أن خطوة لقجع تحمل رهانات متعددة، أولها تعزيز حضوره السياسي الميداني، خاصة في ظل التحولات التي يعرفها المشهد الحزبي المغربي، وثانيها محاولة بناء شرعية انتخابية مباشرة تمكنه من لعب أدوار أكبر خلال المرحلة المقبلة، سواء داخل الحكومة أو داخل دوائر القرار المرتبطة بمشاريع المغرب الكبرى.
غير أن الجانب الأكثر إثارة في هذه الخطوة يبقى مرتبطا بمستقبله على رأس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم. فلقجع، الذي ارتبط اسمه خلال السنوات الماضية بالطفرة التاريخية التي عاشتها الكرة المغربية، بدءا من الإنجاز التاريخي لأسود الأطلس في مونديال قطر 2022، مرورا بتنظيم التظاهرات القارية والدولية، وصولا إلى الفوز بملف تنظيم كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال، يجد نفسه اليوم أمام مفترق طرق دقيق.
فهل سيواصل الرجل قيادة الجامعة لولاية جديدة رغم انخراطه المباشر في المعترك الانتخابي والسياسي؟ أم أن دخوله إلى البرلمان قد يكون مقدمة لإعادة ترتيب أوراقه والتفرغ لأدوار سياسية واستراتيجية أكبر داخل الدولة؟
المؤشرات الأولية تفيد بأن لقجع لا ينظر إلى الانتخابات التشريعية باعتبارها نهاية لمساره الرياضي، بل كامتداد لنفوذه المؤسساتي، خاصة أنه ما يزال يحظى بدعم قوي داخل الأجهزة الكروية القارية والدولية، كما يعتبر أحد أبرز الوجوه التي ساهمت في إعادة تموقع المغرب رياضيا على المستوى الدولي.
لكن في المقابل، يرى مراقبون أن الجمع بين مسؤوليات سياسية وبرلمانية ثقيلة، وبين تدبير مؤسسة رياضية بحجم الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، قد يصبح أمرا معقدا خلال المرحلة المقبلة، خصوصا مع اقتراب موعد التحضيرات الكبرى لمونديال 2030، وما يرافقه من تحديات تنظيمية ولوجستية واستثمارية ضخمة.
وفي خضم هذا الجدل، تتحدث بعض الكواليس عن إمكانية الدفع بأسماء جديدة لخلافة لقجع على رأس الجامعة، في حال قرر الانسحاب بهدوء بعد نهاية ولايته الحالية، بينما تستبعد أطراف أخرى هذا السيناريو، معتبرة أن الرجل ما يزال يمثل حجر الزاوية في مشروع المغرب الكروي، وأن خروجه في هذا التوقيت قد يربك عددا من الأوراش المفتوحة.
سياسيا، يبدو أن حزب الأصالة والمعاصرة يعول بشكل كبير على دخول لقجع إلى واجهة المنافسة الانتخابية، بالنظر إلى ما يمكن أن يضيفه من وزن انتخابي ورمزية وطنية، خاصة في جهة الشرق التي تشهد منذ سنوات تنافسا حادا بين مختلف الأحزاب الكبرى. كما أن ترشحه قد يعيد ترتيب موازين القوى داخل الحزب نفسه، ويفتح الباب أمام صراعات خفية حول مراكز النفوذ والتموقعات المستقبلية.
ويرى متابعون أن اختيار وجدة أنكاد لم يكن اعتباطيا، بل يدخل ضمن حسابات دقيقة تراعي البعد الرمزي والسياسي للجهة الشرقية، التي تعتبر خزانا انتخابيا مهما، كما أنها تشكل واجهة استراتيجية للمملكة بحكم موقعها الحدودي وحساسيتها الاقتصادية والاجتماعية.
ومع اقتراب موعد الاستحقاقات المقبلة، يتوقع أن تشهد المنطقة تعبئة غير مسبوقة من مختلف الأطراف السياسية، خاصة إذا تأكد رسميا دخول لقجع إلى السباق، وهو ما قد يحول الانتخابات التشريعية المقبلة إلى واحدة من أكثر المحطات سخونة وإثارة خلال السنوات الأخيرة.
وبين رهانات السياسة وتعقيدات الكرة، يجد فوزي لقجع نفسه اليوم أمام اختبار جديد قد يعيد رسم مساره بالكامل. فإما أن ينجح في الجمع بين النفوذ السياسي والرياضي في معادلة غير مسبوقة، أو أن يضطر إلى حسم اختياراته بين قبة البرلمان وعرش الكرة المغربية.
وفي انتظار الإعلان الرسمي عن الترشيحات، تبقى كل السيناريوهات مفتوحة، بينما تتجه الأنظار إلى وجدة، التي قد تتحول خلال الأشهر المقبلة إلى مركز الثقل السياسي والإعلامي بالمملكة، في معركة انتخابية توصف منذ الآن بأنها “معركة الكبار”، عنوانها الأبرز: فوزي لقجع يدخل السياسة من الباب الواسع.