السياسة العامة في المغرب..بين رهانات التنمية وتحديات التنفيذ

0

الانتفاضة/ ابراهيم السروت

تشكل السياسة العامة في المغرب الركيزة الأساسية التي تستند إليها الدولة في تدبير مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، باعتبارها مجموعة من الاختيارات والبرامج والإجراءات التي تهدف إلى تحقيق التنمية الشاملة، وترسيخ الاستقرار، والارتقاء بجودة حياة المواطنين. وتستمد هذه السياسة مرجعيتها من دستور المملكة لسنة 2011، الذي حدد اختصاصات المؤسسات الدستورية، ورسخ مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز المشاركة الديمقراطية في تدبير الشأن العام.

وتغطي السياسة العامة بالمغرب مجالات متعددة، تشمل التعليم والصحة والتشغيل والاستثمار والسكن والنقل والطاقة والبيئة والحماية الاجتماعية، إلى جانب الإصلاح الإداري والعدالة وتعزيز حقوق الإنسان. وتسعى الحكومات المتعاقبة إلى بلورة سياسات تستجيب للتحولات الوطنية والدولية، وتواكب التحديات الاقتصادية والاجتماعية، من خلال اعتماد برامج إصلاحية تهدف إلى تحقيق نمو اقتصادي مستدام، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وخلق فرص الشغل، وتحسين مناخ الأعمال، وتشجيع الاستثمار الوطني والأجنبي.

وخلال السنوات الأخيرة، أطلق المغرب مجموعة من الأوراش الاستراتيجية الكبرى التي تعكس توجهات السياسة العامة، من أبرزها تعميم ورش الحماية الاجتماعية، وإصلاح المنظومة الصحية، وتطوير قطاع التعليم، وتعزيز الأمن المائي، والاستثمار في الطاقات المتجددة، وتوسيع شبكات الطرق السيارة والسكك الحديدية والموانئ، إضافة إلى تنزيل مشروع الجهوية المتقدمة الذي يروم منح الجهات صلاحيات أوسع في إعداد وتنفيذ برامج التنمية المحلية، بما يحقق عدالة مجالية أكبر ويقرب الخدمات من المواطنين.

كما تحظى الرقمنة والإدارة الإلكترونية باهتمام متزايد في إطار تحديث المرافق العمومية، إذ تعمل الدولة على تبسيط المساطر الإدارية، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز الشفافية، بما يساهم في تقوية ثقة المواطنين والمستثمرين في المؤسسات. ويواكب ذلك العمل على تشجيع الاقتصاد الرقمي، ودعم المقاولات الناشئة، وتحفيز الابتكار باعتباره رافعة لتحقيق التنمية الاقتصادية.

ورغم هذه الجهود، لا تزال السياسة العامة تواجه تحديات متعددة، في مقدمتها الحد من البطالة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، وتقليص الفوارق بين العالمين الحضري والقروي، وتحسين جودة الخدمات العمومية، وضمان استدامة الموارد المائية في ظل التغيرات المناخية، فضلا عن تعزيز الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يضمن نجاعة أكبر في تنفيذ البرامج العمومية وتحقيق الأهداف المعلنة.

ويبقى نجاح السياسة العامة رهينا بقدرة مختلف الفاعلين، من مؤسسات دستورية وجماعات ترابية وقطاع خاص ومجتمع مدني، على العمل في إطار من التكامل والتنسيق، مع إشراك المواطنين في بلورة وتتبع السياسات العمومية، باعتبارهم محور العملية التنموية وغايتها الأساسية.

وفي ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، يواصل المغرب تطوير سياساته العامة بما ينسجم مع أولوياته الوطنية ورؤيته التنموية، مستهدفا بناء اقتصاد أكثر تنافسية، ومجتمع أكثر عدالة وتضامنا، ومؤسسات أكثر كفاءة وفعالية. وتظل السياسة العامة، في نهاية المطاف، أداة محورية لتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الاستقرار، والاستجابة لتطلعات المواطنين نحو مستقبل أكثر ازدهارا وإنصافا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.