الانتفاضة %%% د/ الحسين بكار السباعي %%% محلل سياسي وإستراتيجي
قد يبدوا للملتقي الكريم بعض المبالغة في العنوان، ذلك أنه لا يمكن مقاربة وضع حزب التجمع الوطني للأحرار بمنطق الأحكام القطعية أو نهايات السقوط السياسي الدرامي، بقدر ما يفرض علينا كل تحليل سياسي رصين لقرار السيد عزيز أخنوش، إدراجه ضمن المفاجأة السياسبة بعيدا عن منطق التحولات الدورية التي يعرفها تداول الزعامات داخل الأحزاب التي تصل إلى السلطة في السياق المغربي.
فالحزب لا يواجه لحظة أفول نهائي وإنما يعيش مرحلة إستنزاف سياسي ورمزي عميق، مرحلة فرضتها كلفته السياسية وأداؤه الحكومي مع إرتفاع منسوب التوقعات الإجتماعية أمام كم هائل من التراكمات و الإختلالات لسياق إقتصادي وإجتماعي معقد لم يكن الحزب المتزعم للحكومة مستعد سياسيا وتقنيا لتحمل تبعاتها كاملة.
لقد صعد التجمع الوطني للأحرار إلى صدارة المشهد السياسي سنة 2021، مستندا إلى خطاب يقوم على النجاعة التدبيرية والكفاءة الإقتصادية، ومدعوم بآلة تنظيمية ومالية فعالة، وبصورة حزب قادر على تقديم نوع من الحلول العملية بدل السجالات الإيديولوجية. غير أن الإنتقال من موقع الوعد إلى موقع القرار سرعان ما كشف حدود هذا التصور لتصطدم الوعود الإنتخابية بواقع إجتماعي مثقل بارتفاع كلفة المعيشة و تراجع القدرة الشرائية، وإتساع هوة الثقة بين المواطن والمؤسسات بسبب العديد من القرارات غير المدروسة. ومع توالي الأزمات وتدهور القدرة الشرائية لفئات عريضة من المواطنين، لم يعد الحزب يحاكم على خطاباته بل على حصيلته المحتشمة، وهي حصيلة بات الدفاع عنها أكثر كلفة من الترويج لها.
إن ما يعيشه حزب الأحرار اليوم لا يختزل في أزمة شعبية عابرة أو في تراجع ظرفي في منسوب الثقة، بل يعكس في عمقه أزمة نموذج سياسي تأسس على الشخصنة القيادية، وعلى التداخل بين النفوذ الاقتصادي والقرار السياسي، دون أن يستند إلى مرجعية فكرية واضحة أو إمتداد إجتماعي تاريخي متجذر. وقد زاد من حدة هذه الأزمة إقتراب الحديث عن مرحلة ما بعد القيادة الحالية، بما كشف عن فراغ رمزي في نخب جيئ بها على المقاس، وصعوبة إنتاج قيادة بديلة تمتلك نفس الوزن السياسي والعلائقي القادر على ضبط توازنات الحزب الداخلية وموقعه داخل الدولة.
من هذا المنطلق تكتسي الإستحقاقات الإنتخابية المقبلة طابع مفصلي ليس بإعتبارها مجرد محطة تنافسية، بل بوصفها لحظة إختبار حقيقي لقدرة الحزب على التحول من حزب زعامة إلى حزب مؤسسات ونخب قادرة على إستشراف كل التحديات .
فإما أن ينجح في الحفاظ على موقع متقدم يسمح له بإعادة ترتيب أوراقه وإعادة تقديم نفسه كفاعل سياسي قابل للإستمرار، وإما أن يسجل نوعا من التراجع الحسوب مسبقا يعيده إلى خانة الأحزاب التي صعدت بسرعة تحت منطق “اللحظة السياسية”.
إن المؤشرات الحالية خاصة الدفع بوجه جديد للزعامة بدل الاحتكام ألى ديمقراطية داخلية ترجع أصوت قواعد الحزب ونخبه، كلها مؤشرات وإن كانت لا تنذر بتراجع حزبي شامل، إلا انها توحي بتراجع إنتخابي محتمل وبصعوبة متزايدة في تعبئة القواعد وباتساع دائرة النقد الموجه للحصيلة الحكومية.
و من خلال ماسبق ،قد لا يبدو السؤال الحقيقي هو ما إذا كان حزب التجمع الوطني للأحرار قد إنتهى، بل ما إذا كان قادرا على الإستمرار بنفس الصيغة التي أوصلته إلى الحكم. فالواقع أن حزب الحمامة لم يعد قادرا على تسويق نفسه بإعتباره البديل أو الوعد غير المكلف. لكنه وفي المقابل لم يفقد بعد شروط الوجود السياسي، بل يجد نفسه مضطرا إلى إعادة التموضع الصحيح، إما كحزب وسطي تقني محدود الطموح، أو كحزب تحالفات فاقد للقيادة المركزية القوية.
ختاما، إن مستقبل التجمع الوطني للأحرار سيظل رهين قدرته على إنتاج قيادة سياسية لا تختزل في الرأسمال المالي فقط بل بفك كل إرتباط بين المال والسلطة، وعلى الإنتقال من منطق حزب الدولة إلى منطق حزب المجتمع، وهو الإنتقال الأكثر صعوبة في التجربة الحزبية المغربية. ففي السياسة نادرا ما تموت الأحزاب دفعة واحدة، لكنها كثيرا ما تستمر زمنا طويلا متى إسترجعت روحها وقدرتها على الإقناع والتأثير.