الانتفاضة $$$ شاكر ولد الحومة
في سابقة من نوعها،وفي تحدي صارخ للتوجيهات الملكية، وضرب بعرض الحائط لسياسته المندمجة والراغبة في تحدي الفقر والخصاص والعوز الذي يضرب في أعماقالمغرب والمغاربة، فجرت زينب العدوي، الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، “قنبلة رقمية” تحت قبة البرلمان، وضعت الحكومات المتعاقبة بين سنتي 2008 و2020 في موقف المساءلة التاريخية.
الأرقام التي كشفت عنها العدوي ليست مجرد إحصائيات، بل هي “صك إدانة” لتدبير اتسم ببطء قاتل وتهاون غير مسبوق في تنفيذ مشاريع دُشنت أمام أنظار جلالة الملك.
بينما كان المغاربة ينتظرون طفرة تنموية تترجم الاتفاقيات الموقعة أمام جلالة الملك، كشف التقرير أن التنفيذ الفعلي لم يتجاوز 41% من المشاريع المبرمجة. والأخطر من ذلك، أن الميزانية التي صُرفت فعلياً لم تتعدَّ 16.6 مليار درهم من أصل غلاف مالي ضخم قدره 184 مليار درهم؛ أي أن نسبة الالتزام المالي لم تتجاوز 9%.
هذا الفارق الشاسع يطرح تساؤلات حارقة: أين تبخرت وعود الحكومات التي ترأسها كل من عباس الفاسي، وعبد الإله بنكيران، وسعد الدين العثماني؟ وكيف تحولت مشاريع استراتيجية إلى ما يشبه “الكاميرا الخفية” التي تُعرض أمام الملك وتختفي فور إطفاء الأضواء؟
ولا يمكن قراءة هذه الأرقام بمعزل عن الذاكرة السياسية الأليمة، وتحديداً ما وقع في الحسيمة. فالتأخر في تنفيذ مشاريع “منارة المتوسط” أدى حينها إلى زلزال سياسي أطاح بوزراء ومسؤولين. لكن يبدو، من خلال تقرير العدوي، أن قضية الحسيمة لم تكن استثناءً أو حالة معزولة، بل هي جزء من “سلوك ممنهج” اتسم بالتراخي والهروب من المسؤولية.
إن المشاريع التي يدشنها جلالة الملك، خاصة في المناطق النائية أو ذات البعد الاستراتيجي، تمثل تعاقداً مع الشعب. وحين يتخلف طرف ممول عن أداء نصيبه، أو تتعثر المساطر الإدارية دون رفع تقارير شفافة للديوان الملكي توضح “المقاومات” التي تواجه التنفيذ، فإننا أمام “خيانة أمانة” إدارية وسياسية.
يسير جلالة الملك بجدول أعمال تنموي يتسم بالسرعة والجرأة، في حين تصر بعض النخب الإدارية والبيروقراطية والحكومية على كبح هذه الوتيرة بمبررات واهية، فالتقاليد الملكية السامية تجعل من تدشين أي مشروع رسالة قوية تتجاوز العمر القصير للحكومات، لكن يبدو أن هناك من تعامل مع هذه المشاريع كأعباء إدارية وليس كأولويات وطنية سيادية.
إن دور المجلس الأعلى للحسابات لا ينبغي أن ينحصر في دور “المؤرخ” الذي يرصد الخيبات، بل يجب أن يمتد إلى “المحاسب” الذي يرتب الجزاءات.
• أولا المساءلة: فلا يعقل أن يستمر وزراء ومدراء مؤسسات عمومية في مسارهم المهني، بل ويتطلعون لترقيات، وهم الذين هندسوا لمرحلة “البلوكاج التنموي” بين 2008 و2020.
• ثانيا المحاسبة: إن تعثر 59% من المشاريع الملكية ليس خطأً تقديرياً، بل هو تعطيل لمصالح الدولة العليا يستوجب تفعيل المبدأ الدستوري في أقصى تجلياته.
إن تقرير العدوي هو صرخة في وجه “الاستهتار الإداري”. المغاربة اليوم لا ينتجون تقارير إضافية، بل ينتظرون أن تُربط هذه الأرقام بأسماء المسؤولين عنها، ليعلم الجميع أن “غضبة الملك” ومحاسبة الشعب لا تسقط بالتقادم.
بقي أن نشير إلى أن 59 في المائة من المشاريع الملكية حسب التقرير لم تنجز، وأن 91 في المائة من السيولة المالية المخصصة لهذه المشاريع تبخرت.
وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول المسؤولين المحتملين في هذه الصدمة القوية التي رجت أسوار بلد يتجه نحو الديمقراطية الداخلية وإذا به بخلف الموعد مع التنمية الاجتماعية والسياسية وغيرها.