منطق الفراقشية في السياسة الفلاحية….

الانتفاضة

لم يعد هناك مجال للشك في أن الحكومة المغربية تمارس نوعاً من الارتباك السياسي في الخطاب وهي تبرر الارتفاع الفاحش في أسعار اللحوم الحمراء بتناقضات تثير السخرية بقدر ما تثير الغضب.

فأن يتحول الجفاف لسنوات إلى مشجب لتعليق الفشل، ثم تخرج الحكومة اليوم، وفي عزّ جلسات المساءلة بمجلس النواب، لترمي بكرة اللهب في مرمى “التساقطات المطرية” باعتبارها عائقاً يمنع “الكسابة” من التنقل ويقلص العرض، فهذا ليس مجرد خلل تواصلي عابر، بل طرح يكرّس نتيجة واحدة ثابتة: الغلاء مستمر في كل الفصول.

الحقيقة التي يهرب منها الخطاب الرسمي هي أن المشكلة ليست في تقلبات السماء، بل في “الأرض” التي سُلّمت مفاتيحها لمجموعة من المستفيدين الذين يقتاتون على الأزمات.

لقد وجد وزير الفلاحة، أحمد البواري، نفسه في مواجهة انتقادات برلمانية مباشرة أعادت سؤالاً قديماً جديداً: من يتحمل فعلياً كلفة هذا الارتباك؟ الوزير يبرر الغلاء بتراكم آثار الجفاف وكلفة الأعلاف والدورة البيولوجية، لكنه في لحظة كشف غير مقصودة عن عورة النظام الرقابي، حين أقرّ بأن أسعار اللحوم عند الخروج من المجازر تتراوح بين 70 درهماً للأبقار المستوردة و90 درهماً للمحلية، في وقت يكتوي فيه المواطن بسعر يصل إلى 140 درهماً عند “الجزار”.

هذا الفارق الضخم، الذي يصل إلى 50 درهماً في الكيلوغرام الواحد، يشكل مؤشراً مقلقاً على اختلالات عميقة في سلسلة التسويق.

إنه “ثقب تنظيمي” يبتلع هامش الربح، ويفتح المجال أمام شبكات وساطة متعددة الحلقات لفرض منطقها، في ظل غياب تدخل رقابي فعّال يربط بين الدعم العمومي والثمن النهائي المؤدى من طرف المواطن.

والأدهى من ذلك، هو ملف “المليارات المهدورة” في دعم الاستيراد.

نحن نتحدث عن كلفة باهظة قُدّرت بحوالي 20 مليار درهم خلال سنة واحدة، ضختها الدولة في شكل إعفاءات جمركية وضريبية وتسهيلات لمستوردي اللحوم والأبقار.

وقد قُدمت هذه الإجراءات على أنها آلية لخفض الأسعار، غير أن أثرها الاجتماعي ظل محدوداً، إذ لم يلمس المواطن أي تراجع ملموس في السوق، ما يطرح تساؤلات جدية حول نجاعة هذه المقاربة وحول المستفيد الحقيقي من هذا الدعم العمومي.

إن ما يحدث اليوم يتجاوز الاختلالات الظرفية ليصل إلى مستوى أزمة تدبيرية مستمرة تُدار بتسامح واضح مع اللوبيات الاقتصادية داخل القطاع.

فالسوق التي لا تنخفض فيها الأسعار، لا في سنوات الشدة ولا في شهور الرخاء، هي سوق تعاني اختلالاً بنيوياً لا تعالجه البلاغات الجاهزة ولا تبرره تقلبات الطقس.

لقد آن الأوان للتوقف عن لوم الغيوم، ومساءلة السياسة الفلاحية التي عجزت عن ضبط السوق، وتركت المواطن يواجه منطق “الفراقشية” في الاقتصاد، حيث يعرف البعض جيداً كيف يستفيدون من كل الفصول… ما عدا فصل انخفاض الأسعار.

التعليقات مغلقة.