خرافة التنمية عبر الكرة

الانتفاضة  $$$  سارة بنهباش

لم تعد كرة القدم في المغرب مجالًا رياضيًا أو متنفسًا جماهيريًا فحسب، بل جرى تحميلها وظيفة لا تنتمي إليها، ترميم العطب السياسي–الاجتماعي عبر الرمز (الكرة) بدل الإصلاح عبر السياسة.

وحين يُستعمل الرمز (الكرة) لتعويض ما فشلت السياسات العمومية في إنجازه، لا يعود الرمز بريئًا، بل يصبح أداة إخفاء، بل أكثر من ذلك، يصبح سياسة بديلة بلا شرعية ديمقراطية ولا مردودية اجتماعية.

السؤال الحقيقي ليس: هل نُحب كرة القدم؟ بل: من فوّض لها أن تحلّ محلّ التعليم، والصحة، والسكن، والشغل، والعدالة الجبائية؟؟؟

– خرافة “التنمية عبر الكرة” حين يصطدم الخطاب بالوقائع”: في الاقتصاد السياسي، القاعدة واضحة ولا تقبل التجميل، الرياضة لا تصنع التنمية، بل تستهلك فائضها إن وُجد، كل التجارب التي يُستشهد بها انتقائيًا تنهار عند الفحص…

البرازيل: مجد كروي عالمي، ومونديال مكلف، ونتيجة اجتماعية هشة.

جنوب إفريقيا، الأرجنتين، المكسيك: استعراضات كبرى، بلا أثر تنموي دائم.

حين لا تسبق الملاعبَ مدارسُ قوية، ومستشفيات فعالة، واقتصاد منتج، تتحوّل الملاعب إلى: أصول ميتة، كلفة صيانة دائمة، رموز فارغة من أي مردودية اجتماعية، هنا لا نكون أمام فشل رياضي، بل أمام وهم سياسي مُكلف!

اما الاختيار الميزانياتي المغربي فهو عبارة عن تمويل الصورة وتجفيف القاعدة،اي لم يعد الأمر مجرد “دعم للرياضة”، بل توسّع إنفاقي ممنهج، ملاعب بمليارات الدراهم، تظاهرات عالية الكلفة، نفقات أمنية وتنظيمية مرافقة،تعبئة موارد عمومية باسم الإشعاع

في المقابل، الواقع الاقتصادي يُقدّم فاتورة موازية:

. أكثر من 52 ألف مقاولة أفلست سنة 2025

. ضغط جبائي خانق على المقاولات الصغرى والمتوسطة

. توسّع الحجز على الحسابات البنكية،

هذا قرار سياسي ميزانياتي واضح، الدولة تختار تمويل الرمز (الكرة) وتُحمّل المنتج كلفة العجز.

تستثمر في الصورة، وتُجفّف الاقتصاد الحقيقي.

والنتيجة ليست نظرية بل واقعية ملموسة:

. فقدان مناصب شغل

. هشاشة اجتماعية متصاعدة

. انفجار الاقتصاد غير المهيكل

. هجرة الكفاءات أو انسحابها من الاستثمار

هكذا تتحوّل الدولة، في وعي الفاعل الاقتصادي،

من شريك تنموي… إلى خصم جبائي.

– عقوبات CAF هي حين يسقط قناع “النموذج”،

العقوبات الإفريقية الأخيرة ليست حادثًا رياضيًا عابرًا:

غرامات، إيقافات، رفض طعن، هي مؤشّر سياسي–مؤسساتي و فشل في احترام القواعد، لا في تسجيل الأهداف.

كيف لدولة تُسوَّق كنموذج في التنظيم والاستثمار الرياضي، أن تعجز عن الامتثال للمسطرة القانونية داخل المنافسات القارية؟

الجواب ليس تقنيًا، بل بنيوي: حين يُختزل النجاح في الصورة والاحتفال، ويُهمَل البناء القانوني الصامت، يصبح الإخفاق مسألة وقت.

عندما تتقاطع الرياضة والميزانية هو سؤال الحكامة لا الأشخاص، فوزي لقجع هنا ليس موضوعًا شخصيًا،

بل نقطة تقاطع خطيرة بين القرار الرياضي، القرار الميزانياتي، النفوذ المالي العمومي، السؤال ليس: من هو؟ بل: كيف تُدار السلطة حين تتراكم في نقطة واحدة؟

في الدولة الحديثة، تركيز القرار الرمزي (الكروي) والمالي دون توازنات مؤسساتية واضحة ودون مساءلة ديمقراطية فعّالة لا يُنتج “نجاعة”، بل يُنتج هشاشة في الديمقراطية المالية.

المسألة هنا ليست أخلاقية بل دستورية–مؤسساتية.

كرة القدم لا تُرمّم غياب العقد الاجتماعي، المغرب لا يحتاج، مزيدًا من الملاعب على حساب تشريد المواطن وضرب حقه في السكن، تهميش وتعطيل الشباب، تفقير الشعب، تجهيل وتدويخ الاجيال القادمة، ولا يحتاج مزيدًا من الاستعراض للاقلاع، ولى مزيدًا من الصور المبهرة، بل يحتاج، تعليمًا يُنتج القيمة، صحة عمومية تحفظ الكرامة، سياسة جبائية تُنقذ المقاولة بدل خنقها، رياضة مدمجة في مشروع تنموي، لا بديلة عنه، حين تتحوّل كرة القدم إلى أفيون رمزي (كروي) يُستعمل لتسكين الغضب بدل معالجة أسبابه، فإن الخطر لا يكون رياضيًا، بل اجتماعيًا وسياسيًا.

التنمية لا تُلعب في 90 دقيقة، ولا تُدار بالليزر ولا بالـVAR، بل تُبنى في المدرسة، المستشفى، السكن والمقاولة.

التعليقات مغلقة.