موفيدي: المحكمة الدستورية أعادت قطار إصلاح الصحافة إلى سكته الصحيحة

0

الانتفاضة/ ابراهيم أكرام

في تطور لافت أعاد النقاش حول حرية الصحافة والتنظيم الذاتي للمهنة إلى الواجهة، اعتبر حسن موفيدي، عضو المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية، أن قرار المحكمة الدستورية القاضي بعدم دستورية عدد من مقتضيات القانون رقم 026.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، يشكل “قراراً تاريخياً” و”رسالة تنبيه صريحة للحكومة”، داعيا إلى استثمار هذا المنعطف القضائي لإعادة قطار إصلاح منظومة الإعلام إلى سكته الصحيحة.

وجاء موقف موفيدي على خلفية صدور قرار المحكمة الدستورية رقم 261/26، الذي أسقط دستورية مجموعة من المواد الواردة في مشروع القانون المنظم للمجلس الوطني للصحافة، وهو القرار الذي أثار ارتياحا واسعا في أوساط سياسية ومهنية، واعتبر من قبل عدد من المتابعين تكريساً لسمو الدستور وحماية لمبادئ التنظيم الذاتي واستقلالية المهنة الصحفية.

وأكد موفيدي أن قرار المحكمة الدستورية “أرجع الأمور إلى نصابها”، مشدداً على أنه يمثل رسالة واضحة إلى الحكومة التي وصفها بـ”الصماء”، بسبب ما اعتبره تجاهلا متواصلا لصوت العقل ولمطالب المهنيين والفاعلين السياسيين. وأوضح أن مشروع القانون المذكور أثار منذ طرحه جدلا واسعا في الأوساط السياسية والإعلامية، حيث عبّر الصحافيون والمهنيون عن رفضهم لعدد من مقتضياته، من خلال بيانات وبلاغات وأيام دراسية متتالية، غير أن الحكومة، بحسب تعبيره، “استمرت في غيها” ولم تتفاعل مع هذه التحذيرات.

وأبرز عضو المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية أن المعارضة لعبت دورا محوريا في هذا المسار، حينما فطنت لخطورة بعض المقتضيات القانونية وتوحدت لعرض القانون على أنظار المحكمة الدستورية، التي “انتصرت لصوت العقل وللدستور”. واعتبر أن هذا الانتصار ليس موجها ضد جهة بعينها، بقدر ما هو تأكيد على أن التشريع يجب أن يحترم الضوابط الدستورية وأن يبنى على التوافق والحوار، خصوصا عندما يتعلق الأمر بقوانين تؤطر حرية التعبير والصحافة.

وسجل موفيدي أن مشروع القانون المتعلق بالمجلس الوطني للصحافة يعد من أكثر القوانين إثارة للجدل خلال السنوات الأخيرة، حيث عرف “شدا وجذبا” دام أزيد من سنتين. وحمل الحكومة المسؤولية الأولى والأخيرة عن هذا الوضع، معتبرا أن تعنتها وعدم إنصاتها لملاحظات المهنيين والفاعلين السياسيين، إضافة إلى “الغرور بالأغلبية العددية” داخل مجلسي البرلمان، جعلها تعتقد أن بإمكانها تمرير ما تشاء من قوانين دون اعتبار للتوازنات الدستورية أو لمبدأ التشاركية.

وفي هذا السياق، شدد المتحدث ذاته على أن ما وقع يشكل تذكيرا بأهمية وجود مؤسسات دستورية قوية، وعلى رأسها المحكمة الدستورية، التي تضطلع بدور أساسي في حماية الدستور وضمان احترامه من طرف السلطتين التنفيذية والتشريعية. كما نوه بدور المعارضة الوطنية التي، حسب تعبيره، أحسنت استعمال الصلاحيات التي يخولها لها الدستور والنظام الداخلي لمجلس النواب، وأسهمت في تصحيح مسار تشريعي كان ينذر بتداعيات خطيرة على الممارسة الصحفية.

واعتبر موفيدي أن القرار الدستوري يمثل “صفعة” للحكومة التي ظنت أنها “وضعت يدها وستفعل ما تشاء”، داعيا إياها إلى مراجعة مقاربتها في التعاطي مع القوانين ذات الحساسية المجتمعية. وأضاف أن الظرفية الحالية، خاصة بعد تنظيم تظاهرات رياضية كبرى من قبيل كأس أمم إفريقيا، تفرض وقفة حقيقية لتقييم وضع الممارسة الصحفية والإعلامية، بالنظر إلى دورها المحوري في مواكبة القضايا الوطنية والدفاع عن صورة البلاد في مواجهة التحديات الخارجية.

وفي هذا الإطار، دعا موفيدي الحكومة إلى عدم الاكتفاء فقط بتعديل المواد التي أسقطتها المحكمة الدستورية، بل إلى استثمار هذه الفرصة لفتح حوار جدي ومسؤول مع المنظمات المهنية الجادة والفاعلين السياسيين الحقيقيين، بهدف الارتقاء بالممارسة الإعلامية في المغرب. وشدد على ضرورة القطع مع منطق فرض الأمر الواقع عبر الأغلبية العددية داخل البرلمان، وتمرير قوانين تصادم تطلعات المهنيين ورغبتهم في تنظيم ذاتي مستقل وديمقراطي.

ويرى عضو المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية أن قرار المحكمة الدستورية يشكل “فرصة تاريخية” للحكومة ولكل الفاعلين السياسيين من أجل امتلاك إرادة حقيقية لإرجاع مسار إصلاح القوانين المؤطرة للإعلام إلى السكة الصحيحة. وأكد أن ذلك يقتضي اعتماد التأويل الديمقراطي للدستور، وعدم الانزلاق نحو تشريعات تخدم مصالح ضيقة أو لوبيات متحكمة في مفاصل الإعلام، على حساب حرية الصحافة وجودة الأداء المهني.

وانتقد موفيدي ما وصفه بـ”السيطرة السلبية” لبعض اللوبيات على المشهد الإعلامي، معتبراً أن هذه الهيمنة لا تخدم لا المهنة ولا الوطن، بل تضعف دور الإعلام كسلطة رابعة وكخط دفاع أساسي عن القضايا الوطنية. وأشار إلى أن التحديات المتزايدة التي تواجهها البلاد، والهجومات المتكررة التي تستهدفها، تفرض وجود إعلام قوي ومسؤول، مبني على الجدية والمعقول والوطنية الصادقة، وقادر على توحيد الصفوف بدل تكريس الانقسام.

وختم موفيدي تصريحه بالتأكيد على أن المرحلة الراهنة تتطلب تضافر جهود جميع الفاعلين، حكومة ومعارضة ومهنيين، من أجل بناء منظومة إعلامية ديمقراطية ومستقلة، توازن بين الحرية والمسؤولية، وتحترم الدستور وروحه. واعتبر أن قرار المحكمة الدستورية لا ينبغي أن يُنظر إليه كعائق أمام الإصلاح، بل كفرصة ثمينة لتصحيح المسار، وترسيخ الثقة بين الدولة والمهنيين، وضمان مستقبل أفضل للصحافة والإعلام في المغرب.

وبهذا المعنى، يفتح قرار إسقاط دستورية عدد من مواد قانون المجلس الوطني للصحافة صفحة جديدة في مسار تنظيم المهنة، ويعيد التأكيد على أن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يتم إلا بالحوار، واحترام الدستور، والإنصات لصوت المهنيين، بعيداً عن منطق التغول التشريعي أو الحسابات السياسية الضيقة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.