أي مجلس وطني للصحافة نريد؟ وأي صحافة نريد معها؟

0

الانتفاضة/ د.محمد الزيري

يعيش قطاع الصحافة بالمغرب منذ مدة على وقع وضع استثنائي وغير مسبوق، عنوانه الأبرز: الفراغ المؤسساتي داخل المجلس الوطني للصحافة، المؤسسة التي أُحدثت لتكون تجسيدا لمبدأ التنظيم الذاتي للمهنة، وضامنا لأخلاقياتها، وحكما مستقلا بين الصحافيين والناشرين من جهة، والمجتمع والدولة من جهة أخرى.

هذا الوضع، الذي طال أمده أكثر مما ينبغي، لم يعد مجرد إشكال تقني أو ظرفي، بل تحول إلى سؤال سياسي ومهني وأخلاقي عميق: هل ما يزال خيار التنظيم الذاتي قائماً؟ أم أننا أمام تراجع فعلي لصالح منطق الوصاية والتدبير الإداري؟
عندما تم إحداث المجلس الوطني للصحافة، في سياق تنزيل مقتضيات دستور 2011، قُدم باعتباره مكسبا ديمقراطيا كبيرا للصحافيين والناشرين، وخطوة متقدمة نحو تخليق المهنة وتحصينها من التدخلات المباشرة للسلطة التنفيذية. فالمجلس، من حيث الفلسفة التي يقوم عليها، ليس إدارة عمومية، بل مؤسسة مستقلة تدار من طرف المهنيين أنفسهم، وتتكفل بـ:
• منح بطاقة الصحافة المهنية
• السهر على احترام أخلاقيات المهنة
• تأديب المخالفين للقواعد المهنية
• تنظيم القطاع والمساهمة في تأهيله
غير أن هذه الفلسفة سرعان ما اصطدمت بواقع مليء بالتجاذبات والصراعات، سواء داخل الجسم الصحافي نفسه أو بين الفاعلين المهنيين والسلطات العمومية.
مع انتهاء الولاية القانونية للمجلس، كان من المفترض أن تنظم انتخابات جديدة لتجديد هياكله، كما هو معمول به في كل تجارب التنظيم الذاتي عبر العالم. غير أن ذلك لم يحدث. وبدل العودة إلى صناديق الاقتراع، تم اللجوء إلى حلول انتقالية، عبر لجنة مؤقتة لتسيير شؤون المجلس. ومنذ تلك اللحظة، دخل المجلس في منطقة رمادية:
• لا هو منتخب
• ولا هو يتمتع بشرعية ديمقراطية ومهنية كاملة
• ولا هو قادر على لعب أدواره التحكيمية والتنظيمية كما يجب
وهو ما خلق وضعا شاذا داخل قطاع يفترض فيه أن يكون منظما ومؤطَّرا بمؤسسات قوية ومستقلة.
أخطر ما في هذا الوضع ليس فقط الفراغ المؤسساتي في حد ذاته، بل ما يترتب عنه من آثار حيث أصبحت كل القرارات الصادرة عن المجلس أو عن لجنته المؤقتة محل تشكيك في مشروعيتها.و فقدت المؤسسة قدرتها على فرض احترام أخلاقيات المهنة. واخيرا تعمق الإحساس وسط الصحافيين بأن المجلس لم يعد يعبر عنهم، ولا يدافع عن استقلاليتهم، ولا يمثلهم تمثيلا حقيقياً. بل أكثر من ذلك، بدأ ينظر إلى المجلس، في نظر جزء كبير من المهنيين، كمؤسسة مفرغة من روح التنظيم الذاتي، وتشتغل بمنطق إداري تقني أكثر منه بمنطق مهني ديمقراطي.
يطرح هذا الوضع سؤالا جوهريا: أين الخلل؟ في النصوص أم في الإرادة؟ هل المشكل في القوانين المنظمة للمجلس؟ أم في غياب الإرادة السياسية والمهنية لاحترام منطق التنظيم الذاتي؟
واقع الحال يشير إلى أن الإشكال مركب:
• هناك اختلالات في طريقة تشكيل المجلس
• وهناك تضارب مصالح داخل الجسم المهني نفسه
• وهناك أيضاً تخوف غير معلن من ترك قطاع حساس كالإعلام يدار باستقلالية كاملة عن السلطة
وهو ما يفسر، ربما، هذا التردد الكبير في إعادة الكلمة للمهنيين عبر انتخابات حرة وشفافة.
فهل ما يزال المغرب مؤمنا بخيار التنظيم الذاتي للصحافة؟ أم أننا نتجه، بشكل هادئ وغير معلن، نحو نموذج هجين، تفرغ فيه المؤسسات المهنية من مضمونها، وتدار فيها المهنة بمنطق الوصاية؟ فالتجارب الدولية تظهر أن الصحافة لا يمكن أن تكون حرة ومسؤولة في الآن نفسه، إلا إذا كانت مؤطرة بهيئات مستقلة، منتخبة، وذات مصداقية. وكل تراجع عن هذا المبدأ، هو تراجع عن روح الديمقراطية نفسها.
للخروج من هذا المأزق بالضرورة يجب ان يمر عبر:
1. تنظيم انتخابات مهنية شفافة لتجديد هياكل المجلس
2. إعادة النظر في طريقة تشكيله لضمان تمثيلية حقيقية ومتوازنة
3. تحصين استقلاليته عن كل أشكال التأثير السياسي أو الاقتصادي
4. ربط التنظيم الذاتي بإصلاح شامل لوضعية الصحافي والمقاولة الإعلامية
بدون ذلك، سيبقى المجلس الوطني للصحافة مجرد هيكل بلا روح، ومؤسسة معلقة بين الشرعية القانونية والفراغ الديمقراطي. في العمق، ما نعيشه اليوم ليس فقط أزمة مجلس، بل أزمة تصور كامل لدور الصحافة في المجتمع، ولمكانة الصحافي، ولحدود استقلالية الإعلام. إما أن يتم الحسم لصالح تنظيم ذاتي حقيقي، ديمقراطي ومستقل،
وإما أن نستمر في إنتاج مؤسسات شكلية، تستعمل أكثر لتدبير القطاع إدارياً، لا لتطويره مهنياً وأخلاقياً.
وفي الحالتين، يبقى السؤال مفتوحاً: أي مجلس وطني للصحافة نريد؟ وأي صحافة نريد معها؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.