الانتفاضة
لم تدخل إيمان الناضفي عالم الكتابة بحثا عن الشهرة، بل دخلته بحثا عن ذاتها. فالكتابة عندها لم تكن خيارا مهنيا بقدر ما كانت ضرورة داخلية، وطريقة هادئة للنجاة والتصالح مع طفولة لم تتوقف يوما عن الكلام في داخلها.
ولدت الروائية المغربية إيمان الناضفي في 25 شتنبر 2000 بمدينة سوق الأربعاء، وعاشت طفولتها في خنيفرة، ثم انتقلت إلى مشرع بلقصيري خلال سنوات المراهقة. هذه التنقلات لم تكن مجرد انتقال بين مدن، بل تحولات شعورية تركت أثرها العميق في خيالها، وظهرت لاحقا في عوالمها السردية.
بدأت رحلتها الأكاديمية في شعبة البيولوجيا بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، قبل أن تغير مسارها نحو الأدب الإنجليزي، ثم تتوج شغفها الفني بدراسة تصميم الأزياء. هذا التعدد لم يكن تشتتا، بل بحثا صادقا عن اللغة الأقرب إليها، وعن الفن القادر على احتواء حساسيتها ورؤيتها للعالم. فتصميم الأزياء كان حلم الطفولة الأول، والفن عموما ظل وسيلتها لفهم الحياة، إلى أن وجدت في الكتابة المساحة الأوسع للتعبير.
تصف إيمان علاقتها بالقراءة والكتابة بأنها بدأت متأخرة نسبيا، لكنها ترى في ذلك عودة لا خسارة. فالطفلة التي كانت تنسج القصص في خيالها لم تختفِ، بل صمتت قليلا، ثم عادت أقوى على الورق. حين أصبحت القراءة حاجة، تحولت الكتب إلى ملجأ، ومنها تعلّمت التعاطف والإنصات ورؤية العالم بعيون متعددة.
مسارها الإبداعي انطلق من الرسم، وتحديدا من الأنيم والمانغا، وكانت رواية «لعنة أديمون» في الأصل مشروع مانغا. غير أن اتساع الفكرة وعمق الشخصيات جعلا الرواية الشكل الأنسب لاحتواء العالم الذي أرادت بناءه. ورغم انتقالها إلى السرد، ما تزال تنظر إلى شخصياتها بعين الرسامة، وترسمها داخليا قبل أن تكتبها.
أعمال إيمان، من «لعنة أديمون» إلى «قنديشة»، مرورا بـ«لايثرس» و«خربوشة»، تبدو مختلفة في عوالمها، لكنها تتقاطع في جوهر واحد: الإنسان. فكرة “اللعنة” تتكرر في نصوصها، لا كعنصر فانتازي فقط، بل كتجسيد لمشاعر الخوف، وفقدان الأمان، والبحث عن التوازن. وتؤكد الكاتبة أن كل رواية كتبتها تعكس مرحلة شعورية من حياتها، وأن أكثر الأعمال ألمًا وصدقًا وُلدت في فترات هشاشة نفسية.
لا تخفي إيمان أن شخصياتها تحمل أجزاءً منها. فبعض تفاصيلها الجسدية والنفسية انتقلت إلى شخصياتها في محاولة واعية للتصالح مع الذات.
والكتابة بالنسبة لها ليست تحليلًا فقط، بل تحرر. تحرر من الخوف، ومن الألم، ومن الصمت الطويل. وقد عاشت هذا التحرر بعمق أثناء كتابة مشاهد قاسية، وصلت حد البكاء، لأنها ترى أن الكاتب يترك جزءًا من روحه في كل نص.
وفي زمن يزداد فيه حضور الذكاء الاصطناعي في المجال الإبداعي، تتخذ إيمان موقفا واضحا: لا تعتمد عليه. تؤمن أن الكتابة فعل إنساني خالص، وأن المشاعر الحقيقية لا تصنع. حين يتعب النص، تعود إلى المعجم العربي، أو تختار الصمت إلى أن يعود الشغف.
للكتّاب الجدد، تقدم نصيحة صادقة: لا تشاركوا أعمالكم مع الجميع، واختاروا دوائركم بعناية. فالموهبة وحدها لا تكفي، والانضباط والنقد البنّاء ضروريان. أما فكرة التأخر عن الكتابة، فترفضها تمامًا، مؤكدة أن الاستسلام هو العائق الحقيقي.
في النهاية، لا تكتب إيمان الناضفي لتُخلَّد، بل لتبقى واقفة. تكتب لتفهم نفسها، ولتنقذ طفلتها الداخلية، ولتقول بهدوء:
الكتابة ليست مهنة فقط… إنها طريقة للعيش.
التعليقات مغلقة.