الإنتفاضة // بقلم : محمد أمين وشن
قال محمد نبيل بنعبد الله الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية عقب اللقاء مع قيادة حزب الأصالة والمعاصرة في إطار مشاورات تشكيل الحكومة إن النقاش كشف عن «نقاط التقاء عديدة» بين الحزبين وهو معطى طبيعي لا يحتاج إلى إنكار فالتقاطع حول قضايا من قبيل الدولة الاجتماعية والعدالة الاجتماعية والمجالية والتنمية والديمقراطية والحقوق والحريات يمكن أن يجمع بين قوى سياسية تنتمي إلى مرجعيات مختلفة.
لكن السؤال السياسي الذي يستحق النقاش ليس هل توجد نقاط التقاء بل هل تكفي هذه التقاطعات لبناء تقارب سياسي أو لتحديد تموقع مشترك و هنا تبرز ضرورة التمييز بين التقاطع في بعض السياسات والمطالب وبين التقارب في المرجعية والمشروع السياسي
فحزب الأصالة والمعاصرة يحدد مرجعيته صراحة في الديمقراطية الاجتماعية القائمة على الجمع بين الحرية والمبادرة الاقتصادية واقتصاد السوق من جهة والعدالة الاجتماعية والدولة الاجتماعية من جهة أخرى
أما حزب التقدم والاشتراكية فيعرّف نفسه تاريخياً وسياسياً باعتباره أحد مكونات اليسار الاشتراكي المغربي وامتداداً لتجربة الحزب الشيوعي المغربي وحزب التحرر والاشتراكية ومن ثم فإن مرجعيته لا تختزل في الدفاع عن الدولة الاجتماعية وإنما تتصل أيضاً برؤية أوسع للمجتمع والاقتصاد وعلاقات الإنتاج وتوزيع الثروة ودور الدولة
لذلك فإن التشابه في بعض العناوين الكبرى لا يعني بالضرورة تطابقاً في المنطلقات فالدولة الاجتماعية يمكن أن تكون مجالاً للالتقاء بين الديمقراطي الاجتماعي والاشتراكي لكن السؤال الحاسم يبقى أي دولة اجتماعية نسعى لها وبأي تصور اقتصادي وبأي أدوات لإعادة توزيع الثروة وبأي موقع داخل الصراع الاجتماعي والسياسي ولعل الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي قد تحدد مدى قدرة حزب التقدم والاشتراكية على الحفاظ على وضوح هويته حتى لا يتحول التقاطع البرنامجي إلى بديل عن الوضوح السياسي والإيديولوجي.
فالأحزاب التي تحترم تاريخها النضالي لا تقيس موقعها فقط بما يجمعها مع غيرها أي نفط الالتقاء العديدة وإنما أيضاً بما يميز مشروعها عن مشاريع هذه الأحزاب ومن هنا يصبح الانتقال من سؤال «في ماذا نتفق» إلى سؤال «في ماذا نختلف» ضرورة سياسية حتى لا تتآكل الحدود التي تميز حزباً يسارياً اشتراكياً عن مجرد حزب آخر يتبنى خطاب الدولة الاجتماعية
ان الخوض في هذا النقاش ليس مسألة نظرية أو ترفاً إيديولوجياً بل هو مرتبط مباشرة بالتموقع السياسي لحزب هو وريث تجربة الحزب الشيوعي المغربي فالانتقال من المعارضة إلى المشاركة في الحكومة لا يُبنى فقط على وجود نقاط التقاء في البرامج وإنما على مدى الانسجام بين المشروع السياسي للحزب وبين الخيارات العامة التي ستحدد طبيعة الحكومة وأولوياتها واتجاهاتها
لذلك يمكن أن تكون نقاط الالتقاء بين «الكتاب» و«الجرار» أرضية للحوار والتعاون حول ملفات محددة لكنها لا تكفي وحدها لإنتاج تقارب سياسي شامل ولا تبرر طمس الفوارق في المرجعيات والمشاريع و لا تعلل الاندفاع نحو المشاركة في حكومة تقودها البام ليكون السؤال الأهم اليوم داخل حزب التقدم والاشتراكية ليس عدد نقاط الالتقاء مع البام وإنما كيف يحافظ الحزب على هويته اليسارية والاشتراكية وكيف يحدد تموقعه ومن أي موقع سياسي يستطيع الدفاع عن مشروعه المجتمعي
فالفعل السياسي ليس فقط أن نعرف أين نلتقي وإنما أيضاً أن نعرف أين نفترق ولأن نقاط الفراق أكثر مضاضة فإن وضوحها اليوم قد يكون أهم من تعداد نقاط الالتقاء