الانتفاضة // حسن المولوع
في كل تظاهرة كروية كبرى، يتكرر المشهد ذاته..فرح يجتاح الشوارع، أعلام تُرفع، هتافات تعلو، وانخراط جماعي في لحظة انفعالية تشمل حتى أشخاصا لا علاقة لهم أصلا بكرة القدم..
هذا السلوك، الذي يصل أحيانا حدّ الهوس، يطرح أسئلة جوهرية: كيف يتحول حدث رياضي عابر إلى حالة نفسية واجتماعية عامة؟ ما الذي يجعل مباراة كرة قدم تشغل الوعي الجماعي وتعلّقه، ولو مؤقتا؟ متى صارت المتعة حاجة نفسية لا يُسمح بمساءلتها؟ ولماذا نحتاج إلى فوز رياضي لنشعر أننا انتصرنا في شيء ما خارج المستطيل الأخضر؟ هل نشجع الكرة حبا فيها، أم بحثا عن مهرب من واقع مُنهك؟ وكيف نجحت لعبة واحدة في أن تصبح الملجأ الأخير حين تضيق الخيارات وتغيب الإجابات؟
جزء من هذا الفرح لا ينفصل عن خطاب دعائي جرى ترويجه بعناية من طرف وسائل إعلام، منصات رقمية، مؤثرين، وشبكات إشهار، وأصحاب مصالح ومن لهم علاقة بشركات المراهنات واليناصيب. تكرّر الرسالة نفسها: التشجيع واجب، والفرح دليل انتماء، والكرة مرآة للوطن. فمن يخرج عن هذا الإيقاع يُصنَّف سريعا في خانة “المتشائم” أو “عديم الوطنية”.. وهكذا جرى اختزال الشعور الوطني في مباراة، وتحويل الانفعال الجماعي إلى سلوك مطلوب لا يُناقش، فيما تُغيب الأسئلة الحقيقية تحت ضجيج الهتاف..
ومع الوقت، لم تعد كرة القدم مجرد لعبة للمتعة، بل تحولت إلى أداة توظيف سياسي واجتماعي. فبدل أن تكون مساحة للتقارب بين الشعوب، صارت مناسبة لإعادة إنتاج العداء وبث الكراهية، حتى بين مجتمعات تجمعها روابط الدين والتاريخ. فالخطاب الرياضي نفسه لم يسلم من هذا الانزلاق، إذ أصبح لغة تعبئة تُستعمل فيها الرموز الوطنية لإشعال الحماسة، لا لبناء الوعي..
غير أن العامل الأعمق لا يكمن في البروباغندا وحدها، بل في واقع معيشي ضاغط لم يعد يُحتمل. في ظل الغلاء، انسداد الأفق، وتآكل الأمل في التغيير، يبحث الناس عن متنفس سريع، عن لحظة نسيان جماعي ولو كانت قصيرة. فكرة القدم توفر هذا الهروب المؤقت؛ تسعين دقيقة يُعلَّق فيها الهمّ، ويُؤجَّل فيها التفكير، ويُسمح فيها للفرح أن يعلو دون حساب..
لهذا السبب، يُقابل كل صوت يذكّر بالواقع أو يحاول كسر موجة النشوة باتهامات جاهزة بنشر البؤس وتعكير الصفو. ليس لأن الناس تجهل ما تعيشه، بل لأنها سئمت من حمله في كل وقت. فالفرح هنا ليس سذاجة، بل محاولة للبقاء، وشكل من أشكال الدفاع النفسي أمام واقع لا يرحم..
هذا الفرح، مهما كان مفهوما، يظل هشًّا وسريع التلاشي حين يُستعمل كتعويض دائم عن واقع لم يتغير. فكرة القدم لا تُحب فقط لأنها لعبة، بل لأنها تمنح استراحة قصيرة من ثقل اليومي، وتسمح بتعليق الخيبات على نتيجة مباراة. غير أن الخلل يبدأ حين تتحول هذه الاستراحة إلى عادة، وحين يصبح الصراخ أمام الشاشات بديلا عن طرح الأسئلة الصعبة. فالمشكلة ليست في التشجيع ولا في الفرح، بل في تحويل لعبة عابرة إلى ملجأ دائم، يُهرب إليه كلما ضاق الواقع، ويُستعمل لطمس الإحساس بما هو أعمق من فوز أو خسارة..
التعليقات مغلقة.