“الإنسان بين الواقع المعيش والوجود الرقمي الموازي”

0

الانتفاضة/ بقلم: الأستاذ المصطفى شقرون

عرف العالم خلال العقود الأخيرة تحولات اجتماعية عميقة لم تعد تقتصر على الاقتصاد أو السياسة أو الثقافة، بل امتدت إلى طبيعة الإنسان ذاته وعلاقته بالواقع. فقد أصبح الفرد يعيش اليوم في عالمين متوازيين: عالم واقعي مادي يزاول فيه حياته اليومية، وعالم رقمي افتراضي يبني فيه صورة أخرى عن نفسه ويتفاعل داخله مع الآخرين. وقد أدى هذا التحول إلى ظهور إشكالات اجتماعية جديدة ما تزال في حاجة إلى دراسات سوسيولوجية معمقة، خاصة في المجتمعات العربية والإفريقية.
فالى أي حد أصبح الوجود الرقمي للفرد يؤثر في هويته الاجتماعية وعلاقاته الإنسانية ومكانته داخل المجتمع؟
وهل نحن أمام إنسان واحد يعيش في فضاءين مختلفين، أم أمام ميلاد شخصية اجتماعية جديدة تتشكل داخل العالم الرقمي؟

كان علماء الاجتماع الكلاسيكيون يدرسون الأسرة، والطبقة الاجتماعية، والعمل، والدين، والمدينة، والهجرة، باعتبارها المؤسسات الأساسية التي تشكل حياة الإنسان. غير أن القرن الحادي والعشرين أفرز ظاهرة جديدة تتمثل في “الوجود الرقمي الموازي”.
فاليوم قد يمتلك الفرد حسابات متعددة على مواقع التواصل الاجتماعي، ويقضي ساعات طويلة داخل فضاءات رقمية يتفاعل فيها مع أشخاص لم يلتق بهم قط في الواقع. بل إن بعض الأفراد أصبحوا أكثر شهرة وتأثيرا داخل العالم الرقمي مما هم عليه في حياتهم الحقيقية.
ومن هنا يطرح علم الاجتماع سؤالا جديدا: هل أصبحت المكانة الاجتماعية تقاس بعدد المتابعين والتفاعلات الرقمية أكثر مما تقاس بالمكانة الواقعية؟
لقد ظهرت أنماط جديدة من العلاقات الإنسانية لا تقوم على الجوار أو القرابة أو الانتماء المهني، وإنما على الاهتمامات المشتركة داخل الفضاء الرقمي. وأصبح بالإمكان أن يشعر الفرد بالقرب من شخص يبعد عنه آلاف الكيلومترات، بينما يعيش نوعا من القطيعة مع جاره أو أحد أفراد أسرته.
كما أفرزت هذه التحولات ظاهرة يمكن تسميتها بـ”ازدواجية الهوية الاجتماعية”، حيث يقدم الفرد صورة مثالية عن نفسه في العالم الرقمي تختلف أحيانا عن وضعه الحقيقي. وهنا تتولد فجوة بين الشخصية الواقعية والشخصية الافتراضية، قد تؤدي إلى ضغوط نفسية واجتماعية جديدة.
ومن القضايا المستجدة أيضا ما يمكن وصفه بـ”الرأسمال الرمزي الرقمي”، إذ أصبح الإعجاب والتفاعل والمتابعة أشكالا جديدة من القوة الاجتماعية. فبعض المؤثرين يملكون سلطة رمزية قد تتجاوز سلطة المثقف أو الأستاذ أو السياسي التقليدي.
كما أن الذكاء الاصطناعي بدأ يطرح أسئلة سوسيولوجية غير مسبوقة. فمع انتشار المحتوى المنتج آليا، قد يجد الأفراد أنفسهم أمام صعوبة متزايدة في التمييز بين الإنسان والآلة، وبين الرأي الحقيقي والرأي المصطنع، مما قد يؤثر في الثقة الاجتماعية التي تعتبر أساس أي مجتمع.
وتبرز كذلك ظاهرة العزلة الرقمية؛ فالفرد قد يكون متصلا بالعالم كله عبر هاتفه، لكنه يشعر بالوحدة داخل أسرته أو محيطه الاجتماعي. وهنا تظهر مفارقة جديدة تتمثل في ارتفاع التواصل وانخفاض الترابط الإنساني العميق.
إن هذه التحولات تدفع علم الاجتماع إلى إعادة النظر في العديد من مفاهيمه التقليدية مثل الجماعة، والانتماء، والهوية، والتنشئة الاجتماعية، والسلطة، والوجاهة الاجتماعية.

إن المجتمع المعاصر يشهد ولادة واقع اجتماعي جديد يتداخل فيه الحقيقي والافتراضي بصورة غير مسبوقة. ولم يعد الإنسان يعيش داخل مجتمع واحد فقط، بل داخل مجتمعات متعددة بعضها مادي وبعضها رقمي. ولذلك فإن دراسة “الوجود الرقمي الموازي” تعد من القضايا السوسيولوجية الراهنة التي ما تزال بحاجة إلى البحث والتأصيل النظري، لأنها تمس جوهر الإنسان وعلاقته بذاته وبالآخرين وبالمجتمع في عصر الذكاء الاصطناعي والثورة الرقمية.
إن السؤال الذي سيشغل علماء الاجتماع خلال العقود المقبلة قد لا يكون: كيف يعيش الإنسان داخل المجتمع؟ بل: أي مجتمع هو الذي يعيش فيه الإنسان فعلا، المجتمع الواقعي أم المجتمع الرقمي؟.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.